رحيل صاحب “ثياب الإمبراطور- الشعر ومرايا الحداثة الخادعة”

حرر بتاريخ من طرف

غيب الموت فجر يوم الجمعة 17 ماي الشاعر فوزي كريم أحد أهم أعمدة الأدب العراقي و العربي الحديث ، وهزت وفاته المفاجئة الوسط الثقافي واعتبرت خسارة لقامة شعرية باسقة في الوطن العربي.

و كان أخر لقاء حضرته للراحل يعود إلى شهر أبريل من السنة الماضية، خلال حلقة نقاشية خصصت لمنجزه الشعري والنقدي، رعتها شعبة اللغة العربية بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بمراكش وقام بتنشيط فقراتها الدكتور محمد أيت لعميم، والشاعر والروائي ياسين عدنان.

فوزي كريم وكما تم تقديمه في ذات الندوة من طرف الدكتور محمد أيت لعميم ، يعتبر من أبرز شعراء جيل الستينيات الذي فتح الباب واسعا أمام الحداثة الشعرية والمعالجة النقدية الجريئة للتراث والشعر الحديث ولد في بغداد بالعراق خريج كلية الآداب قسم اللغة العربية انتقل إلى العيش ببيروت بلبنان في أوائل السبعينات ليهاجر بعد ذلك إلى منفاه الاختياري لندن والتي استقر بها منذ 1979 إلى 2019.

واعتبر أيت لعميم في معرض تقديمه فقرات الأمسية الفكرية أنه من الصعب ملامسة وسبر أغوار تجربة باذخة كتجربة الناقد والرسام والشاعر العراقي الكبير فوزي كريم في كلمات أو سطور فهو ليس واحدا من المبدعين الذين راكموا تجربة فكرية على مدى أزيد من خمسة عقود فحسب وإنما هو أيضا صاحب تجربة نقدية مائزة في فرادتها وخصوصيتها.

ولفوزي كريم عدة دواوين شعرية ” حيث تبدأ الأشياء” و ” ارفع يدي احتجاجا’ و ” جنون من حجر” و ” عثرات الطائر” و ‘لا نرث الأرض” و ” قارات الأوبئة” و ” قصائد من جزيرة مهجورة ” وغيرها ومن مؤلفاته السردية ” من الغربة حتى وعي الغربة” و إدموند صبري ” و ” ومدينة النحاس” و أيضا أيقونة مؤلفاته وأكثرها شهرة وانتشارا والتي تمت ترجمتها إلى عدة لغات ” ثياب الإمبراطور، الشعر ومرايا الحداثة الخادعة” والذي هو تطوير وانضاج للأفكار التي تضمنها باكورة أعماله ” من الغربة حتى وعي الغربة” يثير في هذا الكتاب ويتساءل من خلاله عن هموم الشعر والكتابة وقضايا الحداثة.

وقد مكنت مخرجات هذه الندوة، الحضور من إدراك خصوبة الانجاز النقدي المتميز لفوزي كريم و كتاباته التي كانت مساءلة متجددة للذات والواقع ولم تسجن وعيه في نمط إبداعي واحد، فقد كان متمردا على التقاليد الثابتة وكتاباته كانت دائما ضد الوعي الزائف والتصنيف السهل واليقين الذي لا يخامره الشك ، وتصديه للشعر بقصد ربطه بالفهم الحداثي للشعريات.

و من أبرز كتبه ايضا مؤلف” شاعر المتاهة وشاعر الراية، الشعر وجذور الكراهية” والذي يتناول ، شاعر المتاهة الذي ينغمس ويعتمد في كتابة قصيدته على عمقه الداخلي أو من خلال وجدانه دون أن يعني ذلك أن شاعر المتاهة منفصل عن واقعه وتاريخه ومتعالي عن أحداث وهموم زمانه ، أما شاعر الراية فينصرف إلى اتخاذ الأخر كموضوع أي ينصرف إلى ساحة ومعترك الأخر، وهذا الأخر قد يكون أيضا حزبا أو عقيدة أو فكرة ، ويمتد أيضا ليضم شعراء رفعوا راية الحداثة الشكلية ويسوق هنا ادونيس كأبرز ممثل لهذا التيار، ولا يخفي فوزي كريم انتصاره لشعراء المتاهة وهذا يفسر اهتمامه وصلته الحميمية بالإنجازات الشعرية لكل من أبي العلاء المعري و بدر شاكر السياب وإبن الرومي.

كما يستعرض من خلال مؤلفه هذا مراحل تشكل أو التطور التاريخي للقصيدة آو للشعرية العراقية وروادها ومجدديها كما يرصد أيضا التأثيرات السياسية التي أرخت بضلالها عليها والتي غيرت من وظائفها واستخداماتها من قصيدة إشكال وتساؤل إلى قصيدة ذات مسار سياسي وايديولوجي.

وقم تم من خلال مداخلات كل من مقدم ومنشط تلك الأمسية الجميلة التي تلح على ذاكرتي الأن بكل تفاصيلها، إثارة المحاور الإشكالية التي تضمنتها إبداعات فوزي كريم كالجدوى من الشعر والكتابة ودعوته إلى إعادة النظر في المحاججة والنبش بعيدا عن الوثوقيات والمسلمات، واعتبر الدكتور محمد ايت لعميم أنه وإن كان لا يوافق على بعض أفكار الشاعر فوزي كريم فيما يتعلق بمفهوم التحديث والالتباس وتحليله للأنساق الثقافية العربية والشعرية منها على وجه الخصوص التي اتخذت من الأخر او الأغراض شكلا لها ، فالعديد من القصائد العربية والتي صنفها فوزي كريم ضمن شعر المتاهة عرفت في ارهاصاتها الاولى نزوعا ذاتيا ولكنها سقطت فيما بعد في شراك الغرض، وحتى في أطروحته لدكتوراه حول قصيدة النثر أبرز أيت لعميم ان قصيدة النثر قامت بتقويض الغرض الشعري من خلال تغريب الحياة اليومية واكتشاف العادي والاهتمام بالتفاصيل اليومية وأنسنة الاشياء الجامدة بغية خلق احساس بالألفة المفتقدة في الحياة اليومية، ورغم هذه الانتقادات فان ذلك لا يقلل من صوابية آراء فوزي كريم ومن قراءته العميقة للشعر العربي وآفاق تطوره.

رحم الله الشاعر والأديب فوزي كريم الذي كان يكن حب خاص للمغرب.

 

 محمد تكناوي

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة