جمال المحافظ: ‏حكومة التناوب التوافقي والأسئلة المعلقة

حرر بتاريخ من طرف

د. جمال المحافظ

شيء إيجابي أن ينتبه باحثون وإعلاميون مؤخرا إلى تجربة ما اصطلح عليه في الأدبيات الإعلامية والسياسية بالمغرب بـ”التناوب التوافقي”، الذي دشن عمليا في الـ14 من مارس 1998، عندما استقبل الراحل الحسن الثاني (1929- 1999) بالقصر الملكي بالرباط، الحكومة رقم 25 برئاسة الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عبد الرحمان اليوسفي (1924- 2020).

آنذاك وصف تعيين هذه الحكومة، التي ضمت سبعة أحزاب، منها ثلاثة من المعارضة، وأربعة من الأحزاب التي كانت تضفها الصحافة بـ”الإدارية”، ووزراء سيادة، بـ”الحدث التاريخي”، الذي قد يشكل فرصة لإدخال إصلاحات عميقة تمكن البلاد من الدخول في مرحلة جديدة تؤهلها لتحقيق انتقال ديمقراطي يفرز خريطة سياسية حقيقية بواسطة انتخابات حرة ونزيهة.

وفي ظل النقص الحاصل في مقاربة هذه التجربة السياسية يلاحظ أن الكتابات حولها غالبا، ما يصطدم بتغليب الذاتي على الموضوعي خاصة في التعاطي مع سياقاتها الوطنية والدولية وتحليل حصيلتها وتقييمها ومقارنتها بالتحولات التي رافقتها ولما بعدها.

وقائع مبتورة

كما يزيد من هذه الصعوبات كون السياسيين كثيرا ما “يفضلون ألا يخطوا كتاب حياتهم بالمطلق، وحتى إذا كتبوه، وهذا في أحسن الأحوال، فإنهم يكتبونه مبتورا؛ وهو ما يجعل كثيرا من الأسرار والتفاصيل، التي تكون مفيدة في إماطة اللثام عن أحداث ووقائع معينة، تدفن معهم”، كما جاء في كتاب “أوراق من زمن السياسة: اليوسفي كما عشناه” لمؤلفيه محمد حفيظ وأحمد بوز.

لكن هذا التناوب، وإن شكل مرحلة تاريخية من الانفراج، غير أنه “لم يكن تلك العصا السحرية التي تحقق المعجزات، فقد خلق ارتباكا للديمقراطية، وأسقط الأقنعة، عن عقود عديدة من تاريخ جرى التكتم عنه، لم يتح للناس أن يتعرفوا عليه جيدا، أو يتصالحوا وإياه”، كما كتب بيير فيرموريين في مؤلفه بعنوان “تاريخ المغرب منذ الاستقلال”.

بالمقابل “كان هذا التناوب مرغوبا فيه وفي نفس الوقت كان يخشى منه”، كما نقل عبد العزيز النويضي في كتابه الأخير بعنوان “مذكرات مستشار للوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي دروس من تجربة التناوب وما بعدها” عن عبد الرحمان اليوسفي قوله أمام خبراء أمريكيين عام 2003.

ممكنات متناقضة

فإن كانت هذه التجربة السياسية تحمل بين طياتها الكثير من خصوصيات المغرب السياسي بمختلف معاركه، وصراعات قواه الحية مع ما هو سائد، فإن التناوب، رغم ذلك، “لم يذهب بعيدا في عملية تأسيس القواعد المانعة لإمكانية التراجع عن الإصلاحات المحتملة ومكاسبها، الأمر الذي لا يمنع من أن يظل المجال السياسي المغربي فضاء لحصول ممكنات متناقضة”، كما يرى كمال عبد اللطيف في مؤلف “العدالة الانتقالية والتحولات السياسية”.

بيد أن ما يجري إغفاله بعد هذه المدة الفاصلة عن قيام هذا “التناوب التوافقي” الذي توقف قطاره سنة 2002 بعد “الخروج عن المنهجية الديمقراطية” على أن بناء الديمقراطية كتعبيد الطريق، إذ أنك حين تفتح طريقا، ستتيح التواصل بين الناس، وكذلك الأمر حين توجد مؤسسات ديمقراطية مسلم بها، فإنها تكون أداة حوار وتبادل بل تضامن، حسب ما ذهب إليه وزير الاتصال في النسخة الأولى لحكومة التناوب، محمد العربي المساري (1936- 2015) في مؤلفه الموسوم بـ”صباح الخير.. للديمقراطية، للغد”. إلا أن زمن التناوب وإن كان قد عرف نوعا من الدينامية، إلا أن العلاقة مع الصحافة، ظلت في هذه المرحلة مجالا للتوتر بين الحكومة والإعلام.

التوجه نحو الديمقراطية

فالقبول بقيادة تجربة التناوب كانت في الأصل “مخاطرة أخد فيها بالحسبان المصلحة الوطنية على حساب المصلحة الحزبية”، بيد أن “هذه التجربة انتهت، بدون أن تفضي إلى ما كنا ننتظره منها، أي التوجه نحو الديمقراطية عبر خطوات تاريخية إلى الأمام…” كما جاء في المحاضرة التي ألقاها ربان حكومة التناوب عبد الرحمان اليوسفي في بروكسيل عام 2003.

وبعد مرور 12 سنة من محاضرة بروكسيل، سيأتي الإعلامي محمد الطائع، ليدبج في كتابه “التناوب الديمقراطي المجهض” أن هذا التناوب الذي غامر من أجله اليوسفي بكل رصيده التاريخي ومصداقيته، في أفق انتقال ديمقراطي شامل وهادئ بالمغرب، “قد فشل وأجهض مع سبق الإصرار والترصد”، محملا المسؤولية في ذلك إلى “جيوب المقاومة”، التي “كانت تعمل على تقويض ميثاق التوافق التاريخي بين المعارضة الاتحادية والقصر”، وكذا لـ”جزء كبير من أطر الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذين ساهموا بدورهم في تقويض التجربة، وتيئيس المغاربة من السياسة والحزب…”.

وبالعودة إلى الكاتبين الجامعيين حفيظ وبوز فقد اعتبرا في مؤلفهما: “أن اليوسفي لا يقدم أي تفسير واضح لفشل تجربة التناوب (…) وفضل اللجوء إلى التلميح وتفادي التفاصيل…”، فضلا عن أنه “تطرق للإكراهات التي واجهت حكومة التناوب، لكنه تحاشى تسمية الجهات التي عرقلت إصلاحات حكومته”. واستنتجا بالخصوص ما وصفاه ب”البياضات في مذكرات اليوسفي”.

نخبة وثقافة غير ديمقراطية

وعلى خلافهما، وصف عبد العزيز النويضي جوانب من كتابهما “أوراق من زمن السياسة: اليوسفي كما عشناه” بأنها “استعراض قاس” لتجربة اليوسفي، خاصة على مستوى التعامل مع الشبيبة الاتحادية وفي تدبير شؤون الحزب وفي خيار المشاركة في الحكومة. وكتب المؤلف ذاته أن صاحب أطروحة الخروج عن المنهجية الديمقراطية “عاش مأساة مع أصدقائه ومع خصومه السياسيين”، ملاحظا أن “ثقافة غير ديمقراطية بقيت تهين على سلوك أغلب النخب حتى بعد دستور 2011”.

“إذن انتهت تجربة التناوب، ولاشك أنها خدمت البلاد، لكنها يقينا لم تخدم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (…) الكل استفاد سوى الاتحاد، وإن استفاد بعض أعضائه، وحتى هذه الاستفادة خسارة…”، كما دوّن عن هذه التجربة المفكر والمؤرخ عبد الله العروي في كتابه “خواطر الصباح” والذي اعتبر فيه بالخصوص “أن تجربة التناوب، تركت على حالها حتى تبرهن على محدوديتها ثم تعود الأمور إلى مجراها الطبيعي…”.

توازن انقسام النخبة

وهذا على ما يبدو يزكي القول إن الطبقة السياسية بالمغرب لم تنفصل بصورة نهائية عن الماضي وانعكس ذلك في مواصلة المحافظة على نفس أسلوب الحياة والسياسية، فجو الصراع والعداوة المبالغ فيها بين جماعات النخبة يؤديان منذ عقود إلى تماسك عناصرها، وليس إلى تفتيتها كما ذهب اليه الباحث الأمريكي جون واتربوري منذ عقود في كتابه “أمير المؤمنين ــ الملكية والنخبة السياسية” الذي أوضح فيها أيضا أن “توازن انقسام النخبة يتم بفضل الدفاع عن المصالح المشتركة، وتوحد العلاقات الاقتصادية ما تفرقه الاختلافات السياسية الآنية، مما يجعل سلوك النخبة يعكس سلوك مجموع المجتمع المغربي”.

إلا أنه على الرغم من اختلاف السياقات التي أطرت كتاب واتربوري، الذى هو في الأصل أطروحة لنيل الدكتوراه سنة 1968، والتحولات التي عرفتها وتعرفها البلاد، فإن عددا من الأسئلة تظل مشروعة وفي مقدمتها: هل تغير الوضع، بتغير الفاعلين ونمط الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية؟

كاتب وإعلامي مغربي

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فيديو

للنساء

ساحة