جمال المحافظ : انفتاح محتشم لنقابة الصحافة

حرر بتاريخ من طرف

ظلت النقابة الوطنية للصحافة المغربية طيلة 17 سنة أي من 1984 الى غاية 1993، المرحلة التي كان خلالها محمد اليازغي كاتبا عاما لها، محافظة على نفس التركيبة كنقابة للمديرين، لكن بمجرد إدخال تعديل على الفصل الخامس من القانون الأساسي للنقابة، الذى أصبح  منذ سنة1980   ينص لأول مرة على فتح باب العضوية لكل محرر أي صحفي، مسجل في صحيفة عضو بالنقابة، وبالتالي اتخذ هذا التوسيع شكله القانوني، بعد أن تكرس على أرض الواقع.
 
وشكل الجمع العام الأول للنقابة في أبريل 1984، محطة هامة في مسار النقابة التي شهدت بعده أكبر تحول تنظيمي في بنيتها منذ تأسيسها، وأعطت انطلاقة مسلسل التفكير في إعادة النظر في هياكل النقابة وتوجهاتها، خاصة في أفق الانتقال من نقابة المدراء إلى نقابة الصحفيين، في الوقت الذي كانت خاضت قبيل انعقاد جمعها العام بأيام قليلة معركة أخرى، ضد طبع الصحف الأجنبية بالمغرب بعد الترخيص لها من قبل الدولة.

يوم بدون صحف احتجاج على طبع وإصدار صحف أجنبية

واحتجاجا على السماح للصحف الأجنبية بالطبع في المغرب الذي يعد أول سابقة في البلاد، قررت الصحف المغربية بناءا على دعوة من النقابة، الاحتجاب عن الصدور يوم 13 أبريل 1984، بدعوى أن طبع وإصدار صحف أجنبية وإغراق السوق المغربية بها، “يعد تهديدا لحرية التعبير والرأي التي تناضل الصحافة الوطنية من أجل تثبيتها وتوسيعها”.

​وحسب نقابة الصحافة فإن هذا التهديد يكمن في تهميش القضايا الوطنية المطروحة، مثل قضية الديمقراطية والوحدة الترابية، والأزمة المتعددة الأشكال والمظاهر التي يعاني منها المغرب والمجتمع، لكون الصحف الأجنبية التي تغرق السوق الوطني لا تحمل هموم واهتمامات الرأي العام الوطني. 

واعتبرت أنه عندما تتمكن الصحف الأجنبية من بسط هيمنتها التجارية على حساب الصحافة الوطنية، تصبح بالتالي الأخبار المتعلقة بالوطن وبقضاياه مهمشة ومعتم عليها، الشيء الذي يؤدي في نهاية الأمر إلى إفقاد الرأي العام ذاكرته التاريخية وحسه النقدي، وتصبح قضية الديمقراطية مثلا شيئا ثانويا، لا يحظى بالاهتمام الكافي من طرف الرأي العام الوطني الذي يجد نفسه أكثر ارتباطا بالأحداث، التي تجري خارج بلاده. ولم تكتف النقابة بالاحتجاج، بل لجأت في ماي 1984 إلى القضاء لاستصدار حكم قضائي، يرمي إلغاء المرسوم القاضي بالإذن بطبع جريدة “الشرق الأوسط” بالمغرب. 

وفي الجمع العام الأول الذي انعقد في  14 أبريل 1984 سطرت النقابة، الخطوط الكبرى للملف المطلبي إذ بالإضافة إلى المطالبة بمنع طبع الصحف الأجنبية بالمغرب، أكدت أيضا على أن “الصحف بدون حرية صحافة، وبدون دعم، تصبح مجرد أوراق تتقاذفها الرياح ولا قيمة لها”.

لهذا فإن المطالب كانت تهدف إلى تحسين الوضع العام للصحافة الوطنية، والاستفادة من التطورات التكنولوجية، لمحدودية الوسائل والامكانيات التي تتوفر عليها الصحافة المغربية، حتى تكون في مستوى أداء رسالتها.
  
التحاق صحافة ” الأحزاب الإدارية” بالنقابة
بيد أن سنة 1984 أشرت لالتحاق مكون صحافي جديد بصفوف النقابة يتمثل في مديري ومسؤولي صحف تأسست في بداية الثمانينيات كلسان هيئات سياسية حديثة النشأة، كانت تصفها أحزاب المعارضة وصحافتها بـ ” الأحزاب الإدارية “، في الوقت الذي كانت فيه قيادة النقابة تضم في صفوفها مديري صحف الأحزاب الوطنية، أو الصف الديمقراطي حسب تعبيرات تلك الحقبة، فالغاية الأساسية من انضمام هذه الصحف، كان على مايبدو، جعل النقابة الوطية للصحافة المغربية، نقابة تشمل كافة الصحف بغض النظر عن توجهاتها وميولها.

وباطلالة على تشكيلة المكتب الوطني الذي أفرزه الجمع العام لسنة 1984، يلاحظ بأن هذا الجهاز لم يعد يقتصر فقط على صحافة الاحزاب الوطنية، بل اصبحت ممثلة فيه أيضا صحف ما كان يسمى بـ” الأحزاب الادارية “، من قبيل الاتحاد الدستوري (رسالة الامة، ولوميساج دو لاناسيون) والأحرار (الميثاق الوطني والمغرب)، وبذلك تحولت النقابة الى هيئة تضم كافة الصحف بغض النظر عن توجهاتها الحزبية ومرجعيتها الفكرية والعقائدية، لكن باستثناء ” صحافة مولاي أحمد العلوي، لأنها كانت تعتبر امتدادا لصحافة ” ماس ” الاستعمارية، وحافظت على نفس الخط التحريري الذي كان سائدا آنذاك، حيث كان من بين الملتحقين بالنقابة ممثلون لهذه الصحف”.
وبذلك أصبحت جميع الصحف بمجرد تأسيسها تنخرط في النقابة الوطنية للصحافة المغربية. كما زاد من توسع هذه المنظمة وشمولها لجل الصحف، تفاعلات قضية الصحراء التي كانت من بين المسائل التي ساعدت على جمع شمل الجسم الصحفي، وهو ما خلق دينامية جديدة في داخل الوسط الصحفي.  

التمييز بين الموقف السياسي والصحفي

وقد مكن أول جمع عام للنقابة  بعد التأسيس، الصحفيين من مديرين ومحررين، التداول في المشاكل التي تعترض مهنتهم، في الوقت الذي كان المغرب ” يعرف نوعا من الانفتاح النسبي ” منذ سنة 1983، فكانت هناك محاولة لجمع كافة الأطياف السياسية في النقابة التي عملت خلال هذه المرحلة، على أن يكون هناك تمييز بين الموقف السياسي للأحزاب والجانب الصحفي الذي يهم الجميع، وبالتالي كان التساؤل ينصب على البحث عن سبل توحيد الجميع  للدفاع عن حرية الصحافة، خاصة مواجهة الرقابة المسبقة، ومشكل منع الصحف، وقضية الدعم المقدم للصحافة، وهي المشاكل كانت تعاني منها جميع الصحف.

وعلى الرغم من الوضع المرتبط بالحاق الاعلام بالداخلية، عرفت نقابة الصحافة خلال هذه المرحلة توسعا منذ جمعها العام الاول، وانعكس ذلك على الجسم الصحفي الذي يلاحظ أنه بدأ يتقوى ويعرف بعض الاستقرار النسبي، وهو ماعجل بإثارة النقاش داخل أوساط الصحفيين، حول ضرورة إيجاد إطار ملائم لممارسة العمل الصحفي بمعزل عن الإكراهات السياسية والتوجهات الحزبية، وممارسة العمل النقابي الصحفي دفاعا عن القضايا المادية والمهنية.

كما عرف الجمع العام لسنة 1984، تحولا ملحوظا تمثل في تبنى النقابة لبعض مطالب الصحافيين، وخاصة ما يتعلق بوضعهم القانوني والمادي، من قبيل تحديد الأجور ووضع مقاييس ضبط الترقيات والتعويضات على الساعات الإضافية، والاستفادة من بعض الخدمات الاجتماعية.

الانشغال بتنظيم المهنة 

وفتحت النقابة بذلك أفقا لمعركة جديدة تمثلت في المطالبة بإنجاز مشروع لقانون المهنة لتعديل القانون العتيق لسنة 1942، المعدل في سنة 1956، والانكباب على الأوضاع الاجتماعية للصحافيين، مما تبلورت معه ملامح جديدة لعملها النقابة منها الاهتمام بتنظيم المهنة، من خلال ضبط المقاييس التي تمنح على أساسها بطاقة الصحافة.

وإذا كان الجمع العام لسنة 1984 قد فتح الباب على مصراعيه  لنزوع نحو ثقافة مطلبية ذات مضمون جديد، بفضل الأجيال الجديدة من الصحفيين التي التحقت بصفوف النقابة الوطنية للصحافة المغربية خاصة خلال نهاية السبعينيات وبداية الثمانيات، فإن  النفس الملحمي، السياسي أو الحزبي، الذي طغى على خطاب الجيل الأول من المؤسسين استمر في أدبيات النقابة خلال فترة الثمانينات.

​وتشهد على ذلك الكثير من العبارات الواردة في البيان الختامي الذي أصدره الجمع العام الاول، وفيه نقرأ ” إن الجمع العام يسجل .. أن الصحافة الوطنية في المغرب، منذ كانت، وهي تعبير عن ضمير الأمة الحي وعنوانه اليومي المكتوب، على أن الصحافة هي رسالة القوات الحية، التي تعيش قضايا المواطنين وتحس بمشاكلهم وتفصح عن آمالهم وطموحاتهم. ”  

الحاق اللاعلام بالداخلية النقابة واجهة للنضال السياسي

فالخطاب المتداول في النقابة كان، إلى حدود انعقاد الجمع العام سنة 1984، يمتح من قاموس سياسي وإيديولوجي واضح، يدفع إلى القول بأن نقابة الصحافة كانت تعتبر بشكل من الأشكال، واجهة رئيسية للنضال السياسي، ومنبرا إضافيا كان بمثابة امتداد للأحزاب السياسية، وبصفة خاصة المعارضة منها، للتعبير عن المطالب التي كانت تتبناها هذه الأخيرة. 

فالقيادات التي كانت توجه عمل النقابة ما بين التأسيس والجمع العام لسنة 1984، كانت أيضا قيادات في “الأحزاب الوطنية “، إما كأمناء عامين أو من رجالات الصف الأول لهذه الأحزاب. بيد أن التوجه الجديد للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، تم في ظل نزوع جنيني بدأ يلوح في أفق النقابة، لمحاولة القطع مع الوصاية الحزبية، والانتقال من مرحلة المناضل الصحفي إلى مرحلة الصحفي المهني، وتزامن هذا التحول مع توسع النقابة في بدايات التسعينيات أفقيا، بتأسيس أول فرع لها بمدينة الرباط ثم بعد ذلك بالدار البيضاء بعد أن كانت تتمركز في العاصمة.

غير أن تأسيس فروع تابعة للنقابة رافقه، “مبادرات من طرف السلطة لخلق نوادي إعلامية بمختلف الجهات” كان ينظر إليها في قيادة النقابة، على أنها تدخل في سياق سياسي يرمي إلى تطويق والالتفاف على الدينامية التي بدأت تعرفها النقابة، بفضل تولى مناصب قيادية وتقريرية لجيل جديد من الصحفيين الحزبيين، يمكن نعتهم برجالات الصف الثاني أو الثالث لأحزاب المعارضة، أو المتعاطفين معهم.

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فيديو

للنساء

ساحة