تفاصيل محاكمة الرجل الذي تسبب بأزمة بين أميركا وتركيا

حرر بتاريخ من طرف

في خضم الأزمة الواقعة الآن بين تركيا وأميركا، يبرز أسم الرجل الذي تسبب في توتر العلاقات بين الحلفيين التاريخيين في «الناتو».. إنه القس أندرو برانسون. القس الأنجيلي الذي تتهمه أنقرة بالإرهاب، وهو يؤكد أنه جاء إلى تركيا من أجل «تنشئة أتباع يسوع»، في إشارة إلى عملية التبشير التي يقوم بها. ثمة عدة أسئلة هامة عن الرجل وما يدور في التحقيقات حوله، والبحث عن إجابتها، في هذا التقرير.

متى اعتُقل برانسون؟
عندما وقعت عينا القس برانسون على إخطار الاستدعاء من الشرطة، على باب بيته، أواخر صيف 2016، اعتقد أنه لقاء عادي لحل مشكلة أوراق إقامته في تركيا، التي يعيش فيها منذ ما يقرب من ربع قرن. وعندما توجَّه إلى مركز الشرطة في السابع من أكتوبر 2016، تم احتجازه ووُجِّهت إليه تهمة الضلوع في محاولة انقلاب.

ولا يزال القس محتجزاً، وأصبح الآن محور أزمة دبلوماسية، غذَّى وقودها أخطر أزمة عملة تواجهها تركيا منذ نحو 20 عاماً.

وقال محاميه إسماعيل جيم هالافورت لـ»رويترز»، في مقابلةٍ يوم الجمعة 17غشت 2018: «من الواضح أن ما شعر به كان يفوق الدهشة». كان برانسون يعيش ويمارس نشاطه التبشيري في إزمير، المدينة التركية الواقعة على ساحل بحر إيجة بالقرب من بعض التجمعات العمرانية الأولى في تاريخ الديانة المسيحية.

وقال برانسون في أولى جلسات محاكمته التي حضرها، إنه يعمل على «تنشئة أتباع يسوع» في بلد يكنُّ له حباً شديداً. وفي يوليوز 2018 وبعد قضاء قرابة عامين بالسجن، نُقل برانسون إلى الإقامة الجبرية.

ويوم الجمعة 17غشت 2018، رفضت محكمة استئناف إطلاق سراحه، وقالت إن عملية جمع الأدلة لا تزال جارية، وإنه من المحتمل أن يفر من البلاد، وذلك وفقاً لما ورد في نسخة من قرار المحكمة.

وقد طالب الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بالإفراج عن برانسون دون قيد أو شرط، ووصفه بأنه «رهينة وطني عظيم»، وفرض عقوبات ورسوماً جمركية على تركيا، الأمر الذي كان له دوره في توتر العلاقات بين البلدين على خلفية هذا الأمر.

أردوغان: لديكم قس أيضاً
أما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فربط إطلاق سراح برانسون بمصير فتح الله غولن الداعية الإسلامي التركي الذي يعيش في الولايات المتحدة، وتتهمه السلطات التركية بالوقوف وراء محاولة الانقلاب التي وقعت في يوليوز 2016.

وردَّ أردوغان بزيادة الرسوم الجمركية على ما تستورده بلاده من الولايات المتحدة من سيارات ومشروبات كحولية وتبغ. وقال الرئيس التركي، بخطاب ألقاه في سبتمبر 2017، لضباط الشرطة بأنقرة، موجهاً حديثه للولايات المتحدة: «أنتم أيضاً لديكم قس (غولن). سلِّموه لنا… ثم نحاكمه (برانسون) ونسلمه لكم».

وقد رفضت واشنطن هذا الاقتراح. ودفع تدهور العلاقات بين البلدين، العضوين في حلف شمال الأطلسي، بقضية برانسون إلى صدارة المسرح الدولي، وجعل القس الأميركي، البالغ من العمر 50 عاماً، محور اهتمام غير متوقع في أزمة العملة التي هزت الأسواق الناشئة على المستوى العالمي. ورفضت المحاكم التركية الالتماس تلو الالتماس للإفراج عن برانسون والسماح له بمغادرة تركيا. وقال مسؤول تركي كبير، رداً على سؤال عن القضية، إن القضاء مستقل، والفصل في الأمر يرجع إلى المحاكم.

وقال المحامي هالافورت إن القس برانسون، القادم من نورث كارولينا، لم يكن منزعجاً عندما ذهب إلى مركز الشرطة أول مرة. وكان أسوأ ما توقعه أن تمنحه السلطات مهلة أسبوعين لمغادرة البلاد، وهو الإجراء المعتاد في حالة مخالفة قوانين الإقامة، ثم العودة إلى تركيا عندما تتم تسوية أوراقه. وبدلاً من ذلك، تم حبسه في مركز احتجازٍ شهرين، قبل القبض عليه رسمياً في التاسع من ديسمبر 2016.

التهم الموجَّهة إلى القس
وتُبيِّن قائمة اتهامات أن السلطات وجَّهت إليه تهمة ارتكاب جرائم لحساب حزب العمال الكردستاني، الذي يشن حملة تمرد على الدولة التركية منذ عشرات السنين ولحساب شبكة غولن. وحزب العمال الكردستاني وشبكة كولن ضمن قائمة المنظمات الإرهابية في تركيا. كما اتهمت السلطات برانسون بالكشف عن معلومات تخص الدولة «على سبيل التجسس السياسي أو العسكري».

ونفى برانسون كل الاتهامات الموجهة إليه. يتضح من قائمة الاتهام ومقابلات مع محاميه و3 جلسات من المحاكمة حضرها مراسل وكالة رويترز، أن الاتهامات الموجهة إلى برانسون تتركز حول دعم الأكراد الانفصاليين، وإجراء اتصالات مع من تقول السلطات إنهم دبروا الانقلاب الفاشل.

وقال برانسون للقاضي، بأولى جلسات المحاكمة في أبريل 2018: «جئت إلى تركيا عام 1993؛ لأحكي للناس عن يسوع المسيح». كان يرتدي بذلة سوداء وقميصاً أبيض ويتحدث بطلاقة باللغة التركية، متجاهلاً المترجمَين الاثنين اللذين كلفتهما المحكمة ترجمة أقواله. قال: «لم أفعل شيئاً في الخفاء قط خلال وجودي بتركيا. كانت الحكومة تراقبنا طوال الوقت، لكني لم أفعل شيئاً ضد تركيا».

وقال له القاضي إنه لا يحاكَم للقيام بأنشطة تبشيرية؛ بل عن الاتهامات الموجهة إليه. وتساءل ممثلو الادعاء عن سبب سفره مئات الأميال من كنيسته على الساحل الغربي في تركيا إلى الجنوب الشرقي الذي يغلب عليه الأكراد وينشط فيه حزب العمال الكردستاني.

ومن الأدلة الداعمة للاتهامات رسائل على هواتفه، وتفاصيل عن سفرياته، وشهادة من المترددين على كنيسته، كما يشير قرار الاتهام إلى 3 شهود سريين يشار إليهم رمزاً بأسماء «صلاة» و»نار» و»شهاب». كما تستند قائمة الاتهامات إلى بيانات تحركاته عبر نظام تحديد المواقع والتي تبين قيامه برحلات إلى سوروك قرب الحدود السورية وإلى مدينة ديار بكر الكردية، وإلى اجتماع عقده في 2010 مع رجل، وصفه أحد الشهود السريين بأنه جندي من القوات الخاصة الأميركية.

وقال برانسون إن رحلاته إلى المناطق الكردية كانت تهدف إلى مساعدة اللاجئين الهاربين من الحرب في سوريا. وأضاف: «أنا لا أقبل (ما يقال) أنني تصرفت بما يتفق مع أهداف حزب العمال الكردستاني… كنا نريد تنصير اللاجئين السوريين القادمين إلى إزمير. فأنا لا أفرق بين هوياتهم العرقية».

«له علاقات مع رجال غولن»
ونقلت قائمة الاتهام عن الشاهد السري «صلاة» قوله إن هناك صِلات بين برانسون وأشخاص يُعتقد أنهم أفراد بارزون في شبكة غولن. وقال هالافورت إن الشاهد فشل في تقديم أدلة ملموسة على أي من هذه الاتصالات. وقال الادعاء في قائمة الاتهامات، إن تسجيلات هاتفية لبرانسون وشهادة الشاهد تؤكد هذه الاتصالات.

وقد ألقت تركيا القبض على الآلاف منذ محاولة الانقلاب الفاشل، ووجهت اتهامات رسمية إلى نصفهم تقريباً، واحتجزتهم في السجون خلال محاكماتهم. ولم يكن برانسون بتركيا في أثناء محاولة الانقلاب، لكن محاميه يقول إنه عجَّل بالعودة بعدها. وفي إحدى الرسائل الواردة في قائمة الاتهامات، وصف محاولة الانقلاب بأنها «صدمة».

وجاء في الرسالة المؤرخة بتاريخ 21 يوليوز 2016 والموجهة إلى قس آخر: «كنا ننتظر بعض الأحداث التي تهز الأتراك وتمهد الظروف لعودة يسوع… أعتقد أن الوضع سيزداد سوءاً. سننتصر في النهاية». ولم ينفِ برانسون إرسال تلك الرسالة، لكنه قال إنها أسيء فهمها.
«لم نكن نعرفه»

بحي السنجق في إزمير، والذي كان برانسون يعيش فيه، وصفه صاحب صيدلية هو وزوجته بأنهما «هادئان». وقالت صاحبة متجر يبعد شارعين عن بيته، إنها لم تلتقه قط. وأضافت: «أنا أعرف الجميع في هذا الحي، وليست لدي أدنى فكرة أن هؤلاء الناس كانوا يعيشون هنا»

وتقول الحكومة التركية إنها كذلك لم تكن تعلم شيئاً عن برانسون إلى أن أثارت القنصلية الأميركية قضيته. وقال وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، هذا الشهر، إن القضية بدأت بشكوى جنائية قدَّمها مترجم عمل لحساب برانسون، ونفى القبض على القس لاستخدامه كورقة سياسية.

وقال جاويش أوغلو في اجتماع للحزب الحاكم، بمدينة ألانيا الساحلية الجنوبية: «ما الفائدة المحتملة التي يمكن أن تعود علينا من هذا الشخص؟». وقال المسؤول التركي الكبير إن مفاوضات جرت مع الجانب الأميركي «بأشكال مختلفة»، لكنه امتنع عن الإدلاء بمزيد من التعليقات.

وفي قمة عقدها حلف شمال الأطلسي ببروكسل الشهر الماضي يوليوز 2018، بحث ترمب وأردوغان قضية برانسون. وقال مصدران أميركيان إن ترمب اعتقد أنه اتفق ونظيره التركي على صفقة لإطلاق سراح القس الأميركي. ونفت تركيا التوصل إلى اتفاق.

وكان أردوغان طلب مساعدة أميركية في إقناع السلطات الإسرائيلية بالإفراج عن تركية كانت محتجزة في إسرائيل بتهمة وجود صِلات بينها وبين حركة حماس الفلسطينية. وقال مسؤول كبير في البيت الأبيض إنه كان من المنتظر أن تطلق أنقرة في المقابل سراح برانسون.

وقامت إسرائيل بترحيل المعتقلة التركية إبرو أوزكان في 15 يوليوز 2018، وأكدت فيما بعد أن ترمب طلب إخلاء سبيلها. ونفت أنقرة أنها وافقت على إطلاق سراح برانسون في المقابل.

وقال المسؤول الأميركي إن واشنطن اعتبرت إخراج برانسون من السجن إلى الإقامة الجبرية بعد ذلك بـ10 أيام مقابلاً ضئيلاً جاء متأخراً، «ولم تسِر على ما يرام» مكالمة هاتفية بين الزعيمين في 26 يوليوز 2018. وبعد ساعات، أعلن ترمب فرض عقوبات على اثنين من وزراء الحكومة التركية.

وقال ترمب للصحافيين في البيت الأبيض يوم الجمعة 10 غشت 2018، في إشارة إلى برانسون: «كان يجب أن يسلِّموه لنا منذ فترة طويلة. تركيا تصرفت في رأيي بطريقة سيئة جداً جداً». ومن المقرر أن تُعقد جلسة محاكمة برانسون المقبلة في أكتوبر 2018.

 

عربي بوست

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة