تفاصيل الوصفة التي استخدمتها إدارة الحموشي لتطويق الجريمة بفاس

حرر بتاريخ من طرف

نهاية الأسبوع الماضي، نجحت عناصر الأمن العمومي والفرقة الحضرية للشرطة القضائية بمنطقة أمن فاس الجديد دار الدبيبغ، من توقيف شخص يبلغ من العمر 20 سنة، ويعمل سائقا لسيارة توزيع اللحوم، للاشتباه في تورطه في حيازة والاتجار في أقراص الإكستازي المخدرة. وأسفرت عملية تفتيش منزله عن حجز 480 قرص إكستازي مخدر بحوزته، و577 قرصا إضافيا بمنزله.

ولا يكاد يمر يوم بالمدينة، دون أن تطيح عناصر الشرطة بمختلف مصالحها بـ”ألقاب” غريبة، بعضها لها سجل حافل في السوابق القضائية في مجال السرقة والعنف واستعمال الأسلحة البيضاء وترويج المخدرات والأقراص المهلوسة. وبين الفينة والأخرى، هناك أخبار لمداهمة أوكار بيع المشروبات الكحولية غير المرخصة.

وتكشف هذه التدخلات، بالنسبة لعدد من المتتبعين للشأن الأمني بالمدينة التي واجهت لعقود صعوبات أمنية، حجم حضور مختلف مصالح الأمن في الميدان لمواجهة مختلف أنواع الجريمة، والتفاعل السريع مع شكايات المواطنين، ومع ما ينشر في شبكات التواصل الاجتماعي من أشرطة فيديو ترصد أعمال اعتداء أو سرقات.

سمعة ملطخة

وظلت مدينة فاس تستأثر بحصة الأسد من المتابعات الإعلامية التي تتحدث عن تفشي الجريمة، إلى درجة أن صورتها لدى الرأي العام الوطني قد ارتبط بالجريمة، عوض أن يرتبط بإشعاعها الروحي والتاريخي ومزاراتها في فاس العتيقة وخصوصيات صناعتها التقليدية، وعدد من المنتجعات السياحية المعروفة المحيطة بها.

وحتى على مستوى السياح الأجانب، فقد شوشت حوادث اعتداء على السياح على المدينة. وتناقلت الصحف الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي لأكثر من مرة صور اعتداء بشعة على سياح أجانب من قبل جانحين في حالات اندفاع بسبب تناول الأقراص المهلوسة. وأصبح المستثمرون بدورهم يشيرون، في لقاءاتهم مع المسؤولين، بأن صعوبات الأمن تجعلهم يترددون في تثبيت مشاريعهم في المدينة. بينما ظلت انتقادات التراخي وعدم الحزم توجه، من كل حدب وصوب، للشرطة وللنيابة العامة. وأصبح المجال موضوعا حتى لمزايدات بين الأحزاب السياسية أثناء كل محطة انتخابية.

في شهر ماي من سنة 2015، عين الملك محمد السادس، عبد اللطيف الحموشي، المدير العام للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، مديرا عاما للأمن الوطني. وجاء في بلاغ للديون الملكي بأن هذا التعيين يندرج في إطار العناية الملكية لأسرة الأمن الوطني والحرص على ضمان سلامة وأمن المواطنين.

وتحدث البلاغ الملكي عن الحنكة والتجربة التي أبان عنها الحموشي. وقال إن التعيين يهدف إلى إعطاء دينامية جديدة للإدارة العامة للأمن الوطني، وتطوير وعصرنة أساليبها. كما أن إشراف الحموشي على كل من المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني يتوخى ضمان التنسيق التام بينهما والرفع من نجاعة عملهما.

وشهدت الإدارة العامة للأمن الوطني تغييرات مهمة في السنوات الأخيرة أرخت بظلالها على أداء رجال ونساء الشرطة في الميدان، وفي مختلف المناطق، وخاصة في المدن الكبرى التي ظلت تشهد صعوبات أمنية، ومنها مدينة فاس.

فقد تم تعيين أطر شابة وجديدة في مناصب المسؤولية، وتم الربط بين المسؤولية والمحاسبة. وتمت إعفاءات كثيرة نتيجة ارتكاب اختلالات. وجرت توقيفات عديدة ولا تزال بسبب التورط في ملفات الشطط في استعمال السلطة والفساد وغيرها.

وفي المقابل، حصد رجال ونساء الشرطة الترقيات، وتمكن عدد منهم من تسلق هرم المسؤولية بناء على الكفاءة والأهلية والأداء. وتم تكريس مبدأ التحفيز ونظمت احتفالات تكريم واشتغلت جمعية الأعمال الاجتماعية على عدد من الملفات ذات البعد الانساني والصحي.

وفي السياق ذاتها، تم إجراء تغييرات جوهرية على صورة المؤسسة الأمنية لدى جزء واسع من الرأي العام، وتحولت من مؤسسة صامتة إلى مؤسسة بأقسام تواصل مع وسائل الإعلام.

وظهر المسؤولون في القنوات التلفزية وفي الإذاعات وفي الجرائد الإلكترونية وفي الملتقيات للحديث عن الوضع الأمني وعن الإنجازات. وتكلفت أقسام التواصل بتنسيق عمليات إصدار البلاغات حول التدخلات الأمنية لمواجهة الجريمة، والتجاوب مع تفاعلات الفعاليات الحقوقية والإعلامية والجمعوية مع الشأن الأمني.

ومكن التنسيق المحكم مع مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني من تنفيذ تدخلات كبيرة للشرطة، خاصة في الاتجار والتهريب الدولي للمخدرات وشبكات ترويج الأقراص المهلوسة وشبكات الاتجار بالبشر.

ومكن هذا التنسيق بمدينة فاس من تفكيك عدد كبير من شبكات المخدرات والأقراص المخدرة. وفي كل عملية تفكيك لإحدى هذه الشبكات، فإنه يتم التخفيف من عبء الصعوبات الأمنية التي تواجهها المدينة، بالنظر على أن الأقراص المهلوسة كانت تقف في كل مرة وراء جزء كبير من الجرائم البشعة التي تهز المدينة وتلطخ صورتها.

نخبة عاجزة

ورغم هذه الانجازات التي تظهر نتائجها في الميدان بعنوان عريض يتحدث عن تفاعل دائم لمواجهة الجريمة وتراجع كبير لوقعها نتيجة العمل الاستباقي لمختلف مصالح الأمن في المدينة، إلا أن هذا الحضور الأمني لا يمكنه لوحده أن يعالج الموضوع في الأصل. فللجريمة سياقات اجتماعية وثقافية وعمرانية ونفسية مترابطة تستلزم من النخب المسؤولة عن تدبير الشأن العام المحلي اعتماد سياسات استعجالية لإدماج فئات واسعة من الأحياء الهامشية في الحياة العامة، ولن يتحقق ذلك إلا بتشجيع الاستثمار الذي يخلق التنمية ومعها فرص الشغل لفئات واسعة من الأحياء الشعبية لا تجد أمامها سوى الإدمان والانحراف كرد فعل على الوضع، وهو انحراف سرعان ما يتمس شظاياه المجتمع.

ويظهر لعدد من المتتبعين على أن هذا التطلع لا يزال بعيد المنال، بالنظر إلى عجز النخب المسؤولة عن تدبير الشأن العام المحلي عن بلورة سياسات اجتماعية وعمرانية بديلة من شأنها أن تساهم في إدماج الشباب وضمان فرص كبيرة لتعلم منتج يؤدي إلى ولوج الحياة العامة بسلاسة، ويمكن من تحقيق العيش الكريم لفئات واسعة من “الحائطيين” في أحياء شعبية لا تتذكرها النخبة العاجزة إلا في زمن الحملات الانتخابية.

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فيديو

للنساء

ساحة