المقاطعة في المغرب: شد افتراضي وجذب واقعي

حرر بتاريخ من طرف

السؤال عن ماركة قنينة ماء الشرب، إن كانت “سيدي علي” أم لا بات مشهداً يتكرر كل يوم في أكثر من مكان بالمغرب: في المقاهي، في المطاعم وفي المتاجر الكبرى. السؤال عنها لا يتعلق بجودة البضاعة، فهذا النوع من المياه تشمله حملة “المقاطعة” التي تجتاح المغرب منذ أشهر، إلا أن البعض يطلبها أيضاً. التوتر يبدو واضحاً على محيا المغاربة، خاصة أنهم يجدون أنفسهم أمام خيارين، إما المقاطعة وإما أن يتم وصمهم بالخونة.

حملة المقاطعة لم تضع أوزارها بالمغرب لحدود الساعة، ينضم في كل مرة منتوجاً جديداً إلى قائمة المقاطعة. وبعد أن بدأت من مقاطعة منتوجات شركة للحليب وشركة أخرى للمحروقات وثالثة لمياه الشرب بسبب غلاء أسعارها.

حملة المقاطعة اتخذت من مواقع التواصل الاجتماعي منبتاً ومجالاً لها، توسعت فيه لينخرط في الحملة آلاف المغاربة. تعبير احتجاجي لم يشهد مثله العالم العربي، كما يشير عديدون، حيث لا قائد ولا مسير للحملة التي صعب على الحكومة توقيف امتدادها وتسببت في خسائر للشركات المنتجة.

ولكن، لماذا لم يتوقف المقاطعون عن شن حملتهم إلى حدود الساعة؟ رغم التهديدات التي وجهت إليهم في البداية. ولماذا يقاطع البعض دون البعض الآخر هذه المنتجات دون غيرها، رغم أنها بنفس السعر في الغالب؟ وما هي المبررات التي يدافع عنها كل طرف من المتنازعين حول القضية؟

مقاطعون افتراضيون أم حقيقيون؟

فاضت مواقع التواصل الاجتماعي بالهاشتاغات المساندة للمقاطعة. وتم تأسيس صفحة خاصة لها، تحمل عنوان: كلنا مقاطعون، نسبة إلى هاشتاغ بنفس الاسم. وإلى جانب هذا اصطفت هاشتاغات أخرى عبر بها المغاربة عن رفضهم للمنتجات المُقاطَعة كـ: مقاطعون والمقاطعة وخليه يريب (دعوه يفسد) و”مازوطكوم حرقوه” (احرقوا كازكم) وأنا أقاطع.

هشام بوعلي، شاب مغربي تحدث لـDW عربية عن الحملة. بوعلي اعتبر الحملة سلوكاً احتجاجياً ناجحاً وناجعاً جداً. وقال عن انتشار هذه الحملة: “لم تبق فقط رهينة لمواقع التواصل الاجتماعي بل وصلت حتى الحياة الواقعية، وصار الكل يتحدث عن المقاطعة، حتى من ليس لديهم حسابات في هذه المواقع”.

هشام ليس الوحيد الذي يرى في “المقاطعة” حلاً لغلاء الأسعار، وإنما هو واحد من بين مواطنين مغاربة يضمون صوتهم للمقاطعة من خلال تغريدات يستدلون فيها بأرقام واحصائيات تشير إلى كم الأرباح التي تحصل عليها هذه الشركات المنتجة والتي يمكنها أن تخفض أسعارها.

“الشباب ييبدعون في أساليب الاحتجاج؛ ينتجون ملصقات وأشرطة فيديوهات ساخرة”، يقول عبد الصمد انويضرات وهو أحد المقاطعين. انويضرات وفي حديثه لـDWعربية، أكد أن مغاربة كثيرون انضموا للحملة بفضل مجهودات الشباب الذين لا يدخرون جهداً في توعية غير العارفين أو المدركين لحيثيات الحملة.

ضد تيار المقاطعة

يبدو أن حملة المقاطعة تظهر أكثر شراسة في العالم الافتراضي، يكفي أن تتجول بين بعض المقاهي حتى تجد مرتادين كثر يشربون مياه “سيدي علي” مثلاً، وتخطو بعض الأمتار حتى تجد شخصاً يشتري حليب “سنطرال دانون”، وعند كل محطة أفريقيا ترى آخراً ينتظر ملء سيارته ببنزين المحطة.

ففي الوقت الذي يعبر فيه رواد على “السوشيال ميديا” عن رفضهم للانضمام لصفوف المقاطعين بحجة ارتباط الأمر بالجانب السياسي أكثر من الاجتماعي، يبرر آخرون رفضهم للحملة باعتبارهم لا يستعملون هذه المنتجات في الأصل. كما أن هذا الصنف من المغاربة يؤكدون في منشوراتهم على عدم وجود أي فرق في الأثمنة بين هذه المنتجات ونظيرتها في السوق، سواء على مستوى الأثمنة أو الجودة.

بعض الرافضات للمقاطعة من النساء تحدثن عن تواجد امرأة على رأس إحدى الشركات التي تتم مقاطعتها. وأشرن إلى اسم مريم بن صالح بن شقرون، صاحبة مجموعة “هولماركوم” التي لم تسلم من حملة المقاطعة باعتبارها تنتج قنينات الماء لشركة “سيدي علي”. هؤلاء النساء قلن إن المقاطعة تسري على هذا المنتوج، مثلاً، لأن صاحبته امرأة ولأن المجتمع ذكوري ولا يقبل بأن تتولى امرأة تسيير أموره.

شاب مغربي آخر قال لـDW عربية إنه يرفض الافصاح عن اسمه خوفاً من الاتهامات التي يمكنها أن توجه إليه باعتباره خارج حملة المقاطعة. كما أكد أن “الحملة لن تؤت أكلها وأن المغاربة يتصارعون مع طواحين الهواء طالما لم يخرجوا إلى الشارع”. ويتساءل الشاب المغربي عن الفائدة من مقاطعة منتجات لا يزيد ثمنها عن مثيلتها في السوق، مضيفاً: “كبرنا مع سنطرال وسيدي علي ولا يمكنني مقاطعتهما”.

وتجدر الإشارة إلى أن المقاطعة أشارت بأصبعها إلى مجموعة من الأسماء المعروفة في المغرب، كوزير الفلاحة والصيد البحري؛ المليونير عزيز أخنوش الذي يملك “أفريقيا غاز” الموجودة ضمن خانة المواد المقاطعة.

إجماع شعبي ناجح

في حديثنا لبعض الشباب المغربي، أكدوا أن المقاطعة لم تعد في العالم الإفتراضي. وإنما تجاوزته إلى الواقع. وهو ما أكده انويضرات في تصريحه قائلاً: “لا بقال يمكنه مدك بقنينة ماء من نوع “سيدي علي”، وأضاف مشيراً إلى السياسات المعتمدة من طرف هاته الشركات تجاه بيع منتوجاتها، قائلاً: “والذين يمدونك بقنينة من هذا النوع، فلأن الشركان وعدتهم بهدية مقابل بيع قدر معين من منتوجاتها”.

ويؤكد: “قليلون جداً من لا يقاطعون ويكونون في الغالب من أسر الشغيلة بالشركة المنتجة أو ينظرون للأمر من الناحية الاقتصادية، إذ يخافون من تراجع اقتصاد البلد”.

DW عربية، اتصلت بأحمد البوز أستاذ القانون بجامعة محمد الخامس في العاصمة المغربية الرباط، وسألته عن حيثيات المقاطعة ومدى نجاحها في إبراز وجهة نظر المواطنين في القرارات السياسية. البوز أكد على أنه لأول مرة يوجد شبه إجماع اجتماعي حول اتخاذ قرار معين في المغرب. وأضاف في حواره أن حملة المقاطعة أصبحت نوع من الطقس اليومي لدى المغاربة.

كثير من الأصبع تشير إلى اشتباك الجانب السياسي بما هو اجتماعي، وهي الفكرة التي تناولها البوز قائلاً: “المقاطعة الاجتماعية هي اشارة واصحة على عدم الثقة بين المواطن والطبقة السياسية”.

 

دويتشه فيله

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة