القراءة والكتابة وجهان لعملة واحدة

حرر بتاريخ من طرف

 

ملحوظة 1 :
تنطلق هذه المراسلة من مفهوم الكتابة باعتباره نحتا لكلمتي كتابة وقراءة ونضيف إلى دلالته في النص التشعبي أو في الأعمال التشعبية التخييلية، كل الحمولات المعتمدة في جمالية التلقي مع كل من :هانس روبير ياوس، وولفغانغ آيزر، وأمبرطوإيكو .

وبناء عليه سيتبادل المفهومان المواقع بينهما ،مما يجعل الحديث عن القراءة حديثا عن الكتابة ، و العكس صحيح
ملحوظة2 :
ونتخذ من العناصر الثلاثة الآتية 🙁 الدلالة اللغوية للقراءة ومشتقاتها في المعاجم العربية لسان العرب لابن منظور أنموذجا، الكتاب في الشعر العربي، المتنبي أنموذجا، الكتابة والقراءة في النثر ،الجاحظ أنموذجا ) محاور للعرض والنقاش والتداول .

1-الدلالة اللغوية للقراءة ومشتقاتها : لسان العرب أنموذجا :
إن أول ما افتتح به المعجمي العربي المصري ابن منظور حديثه عن القراءة هو الجذر اللغوي الثلاثي قرأ مرتبطا بالقرآن حيث قال :”قرأ : القرآن- التنزيل العزيز ،وإنما قدم على ما هو أبسط منه لشرفه …ومعنى القرآن الجمع ،أي جمع السور وضمها ،أو جمع القصص والنهي والوعد والوعيد والآيات والسور بعضها إلى بعض” .
ولقد وردت الكلمة أو بعض مشتقاتها ضمن القرآن فيما يقرب من خمس وعشرين آية : الفعل قرأ سبع مرات ، وكلمة قروء مرة واحدة ،وقرآن ثماني عشرة مرة ، والمثير للانتباه هو ارتباط القرآن بالكتاب أو القراءة  ثلات مرات :الأولى في قوله تعالى :”اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ” (14 الإسراء) والثانية في قوله تعالى :” ألر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين “1 (  الحجر)،والثالثة في قوله تعالى :” فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك ” (94 يونس ).
خلاصات :

1-إن ما يجمع بين دفتي كتاب من طرف كاتب لا وجود له فعليا إلا بالقراءة (أي التلاوة وهو المعنى الثاني لكلمة قراءة) والقائم بها أوالقائمين ،القارئ والقراء . بمعنى آخر لا وجود للكاتب أو الكتابة إلا بالقارئ والقراءة ،من هنا تبدو أهمية أحدث نظريات القراءة ،وهي نظرية التلقي التي أعطت الاعتبار لأكبر منسي في نظريات القراءة إنه المتلقي .

وبالعودة إلى الفعل قرأ ،يرد اشتقاق كلمة قروء جمع قرء في الآية القرآنية :” والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء “(228 البقرة )، وبعيدا عن الدلالة اللغوية للكلمة والتي تندرج في فقه اللغة ضمن ما يسمى بالأضداد إذ تدل على الحيض والطهر ، تحتفظ الكلمة في جذرها اللغوي بالجمع ،ففي قولهم “ما قرأت هذه الناقة سلى قط ،وما قرأت جنينا قط ،أي لم يضطم رحمها على ولد،أو لم تقرأ جنينا أي لم تلقه ،والقرء اجتماع الدم في الرحم ” ،وبالنظر إلى هذا الاجتماع باعتباره تشكيلا لعلقة تنجم عنها في النهاية ولادة ،أمكننا أن نربط القرء بالإبداع على أساس أن كل خلق في جوهره إبداع .

2-الخلاصة الثانية من هذا البحث المعجمي هي أن طرفي العملية كتابة – قراءة ،أو قراءة –كتابة ،كاتب-قارئ أو قارئ-كاتب كلاهما يقوم بالجمع :الكاتب يجمع الحروف والكلمات والجمل والفقرات والمباحث والفصول ليقدم كتابا ،والقارئ يجمع المعاني والدلالات ويفكك شفرتها ،يتلقى ويؤول ،وفي كل هذه العمليات هناك إبداع وخلق وابتكار، ولهذا لا غرابة في ارتباط قرأ أو مشتقاتها بثلاث كائنات تبدع أو تسهم في الإبداع إنها المرأة والناقة والرياح .

إذن كما نتحدث عن كاتب مبدع ،يجب أن نتحدث عن قارئ كذلك ،وليس عن قارئ مستهلك ،حيث لا موقع للأول إذا كان يراكم بالمعني السلبي للكلمة ،ولا موقع للثاني بعيد ا عن التلقي التفاعلي والفعال والمنتج والمثمر.
2-الكتاب في الشعر :أبو الطيب أحمد المتنبي أنموذجا :
في قصيدة للمتنبي يمدح فيها كافور الإخشيدي مطلعها :
منى كن لي أن البياض خضاب                       فيخفى بتبييض القرون شباب
ليالي عند البيض فوداي  فتنة                        وفخر وذاك الفخر عندي عاب
ورد في البيت الثامن عشر منها قول المتنبي في الكتاب :
أعز مكان في الدنى سرج سابح         وخير جليس في الزمان كتاب
يندرج البيت ضمن أبيات الشعر الحكمي الخالدة التي اشتهر بها المتنبي وذاع صيته  إذ قيل البيت عام 349 ه الموافق 960 م ،و يبدوكأنه قيل اليوم أو البارحة  ، ودلالته الظاهرة أن أفضل مكان في الدنيا هو ظهر الحصان السريع المنطلق ،وأفضل صديق حقيقي ليس بشريا بل ورقيا ،إنه الكتاب والكاتب ،المقروء والقارئ ،لأمور عدة أعرضها كالآتي :
1-الكتاب يختزل العالم وعليه مدار علم ما في العالم .
2-الكتاب هو الصديق النموذجي في الحياة
3-الكتاب كنز لا ينفد، وخير ما يمكن أن يورث
4-الكتاب يعلي من شأن القارئ باعتباره طالب علم ،بنفس القدر الذي يرفع من شأن كاتبه

لكن ما أفضل الكتب وبعبارة أخرى ما أفضل الكتابات أو القراءات ؟إنها تلك التي يتجدد عطاؤها كلما عاد قارئها إليها ،أوكما قال د/ بهجت سمعان ” ستعرف أنك قرأت كتابا جيدا عندما تقلب الصفحة الأخيرة وتحس كأنك فقدت صديقا .”

3- الكتاب والقراءة في النثر : الجاحظ أنموذجا :
لماذا الجاحظ دون غيره من رموز الثقافة العربية ؟نختزل الإجابة على هذا التساؤل في نقطتين :أولاهما أن الجاحظ  عاصر مرحلة التدوين بل يعتبر على رأس من ساهموا فيها بفعالية كبيرة،وثانيهما أن الجاحظ يعتبر في مقدمة من تعلقوا بالكتب يقول عنه ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان ” إذ لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائنا ما كان  ،حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبت فيها للنظر.”

مفعول الكتاب في المتلقي على المستوى النفسي :الاهتزاز واللذة
ينقل الجاحظ عن ابن الجهم قوله :”إذا غشيني النعاس في غير وقت نوم –وبئس النوم الشيء الزائد عن الحاجة – فإذا اعتراني ذلك تناولت كتابا من كتب الحكم ،فأجد اهتزازي للفوائد ،والأريحية التي تعتريني عند الظفر ببعض الحاجة،والذي يغشى قلبي من سرور الاستبانة وعز التبيين ،أشد إيقاظا من نهيق الحمير ،وهدة الهدم ”
ويضيف قائلا :”إذا استحسنت الكتاب واستجدته ،ورجوت منه الفائدة ،ورأيت ذلك فيه ،- فلو تراني وأنا ساعة بعد ساعة أنظر كم بقي من ورقة مخافة استنفاده،وانقطاع المادة من قلبه ،وإن كان المصحف عظيم الحجم كثير الورق ،كثير العدد –فقد تم عيشي وكمل سروري ”
الكتاب وقراءته في النص الأول منبه يفوق في قوته نهيق الحمير أو هدة الهدم ،ولن يتأتى ذلك إلا بلقاء حميمي عاشق بين كاتب ولهان بما يكتب وقارئ منتش بما يقرأ،إنه لقاء خالص الحكمة بخالص الحب .

أما في النص الثاني فالانتشاء والاهتزاز واللذة تبلغ مداها وتصل منتهاها ،القارئ ينصت إلى نبض قلب كاتبه وكتابه ،يخشى ويخاف توقفه وهو يحصي ما تبقى من الأوراق ،التوقف نهاية وسكون ،واكتمال السرور لا  يكون إلا بالحركة :أصابع تقلب ،وعيون تتابع ،وفكر متوقد متوهج يجرد ويرصد ، حتى إذا لفظ النبض أنفاسه ،ووصل القارئ نهايته ،عز الفراق ،وخفف من حدته ما انطبع من وشم التلاق.

 

الاستاذ عبد الصادق شحيمة

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة