الحج من الشعيرة الدينية إلى الكارثة الإنسانية.. من يتحمل المسؤولية..؟

حرر بتاريخ من طرف

نتذكر جميعا تلك المقولة التي كان يرددها آباءنا وأجدادنا، والتي تنطلق من شعور ديني راسخ في أذهان الأجيال المتعاقبة، الأجر على قدر المشقة، وكانت هذه المقولة دائما تلازم الحجاج المغاربة والمسلمين بصفة عامة، كلما عادوا من الديار المقدسة بعد أداء مناسك هذه الشعيرة التي هي ركن من أركان الإسلام الخمس، وكانت دعواتهم وابتهالاتهم إلى الله تعالى تنطلق من قولهم “اللهم اجعل الأجر على قدر المشقة”، اعتبارا لما يكتنف أداء مناسك الحج من صعاب ومتاعب، بدء من رحلة السفر إلى إنهاء المناسك بعد طواف الإفاضة والوداع.

ومع تطور الحياة، وتغير ظروف مناسك الحج كان من المفترض أن تتخلص هذه المشاق خصوصا أن الإجراءات والتدابير التي اتخذتها السلطات السعودية من أجل التخفيف من معاناة الحجاج، جعلت الحج أمرا ميسرا في كثير من شروطه وظروفه، غير أن هذا الأمر لاينطبق على الإطلاق على الحجاج المغاربة، فمنذ سنوات ونحن نسمع عن أخبار المعاناة الكبيرة التي تلاحق الحجاج المغاربة وهم يؤدون مناسك الحج في الوقت الذي كان من المفترض أن تيسر لهم الأمور حتى يتفرغوا للصلاة والذكر والدعاء وأداء كل ما تتطلبه هذه المناسك بشكل يكتنفه الخشوع والابتهال.

أكثر من 5 سنوات نتابع أخبار الحجاج ونعلم أنهم يعانون أثناء أداءهم مناسك الحج، من معاناة التفريط والإهمال الذي يطوله من طرف البعثة المغربية المكلفة برعاية مصالحهم، وهو أمر مستغرب جدا لأننا نعلم أن الحاج المغربي يؤدي عن الخدمات التي تقدم له رسوما تفوق الخمسين ألف درهم، نظير توفير السكن والرعاية والنقل، فكثيرا ما يحدث أن لا يجد الحاج المغربي من ينقله إلى المناسك يوم التروية ويوم عرفة وعند العودة إلى المزدلفة ومنى لقضاء بقية أيام التشريق.

هذه السنة كانت الأمور أكثر ضراوة، ونسميها أكثر سفالة، حيث عانى الحجاج المغاربة من إهمال شديد ومضايقات كثيرة ونقص في الإيواء والإطعام أدى ببعض الحجاج إلى الخروج عن صمتهم، وإلى الابتعاد عن متطلبات أداء هذه الشعيرة الدينية، والتي تلزم الحاج بالتفرغ إلى الذكر و شكر الله سبحانه وتعالى، عن الابتعاد عن هذه الممارسات الدينية التي هي ركن الحاج بسبب الغضب والقلق، وبسبب عدم الإكتراث بمصالح الحجاج المغاربة.

هكذا الحجاج المغاربة هذه السنة مناسك الحج، حيث بلغت ذروة الإهمال وعدم الإكتراث يوم التروية ويوم عرفة، إذ لم يجد الكثير من الحجاج من ينقلهم لأداء شعيرة الوقوف بعرفة، وهي ركن الحج الأكبر، ثم عند العودة إلى المزدلفة، وكثير من المسنين من الحجاج من تعرضوا لحالات ضربات الشمس، وبعضهم قد فارق الحياة بسبب هذا الإهمال الذي لا يمكن إلا أن يرجع لعدم الاهتمام الذي كان من الواجب أن توليه البعثة المغربية لحجاج بيت الله الحرام، وهو أمر ليس بالجديد على هذه البعثة التي دائما في السنوات الأخيرة، ومنذ حوالي 6 سنوات، وهي تهمل دورها وتكتفي بالخضوع في مكاتبها دون أن تكترث لمشاكل الحجاج ومعاناتهم.

بلغت إذن معاناة الحجاج المغاربة هذه السنة ذروتها وقمتها، وعزى بعض المسؤولين ذلك إلى المضايقات التي لقيها الحجاج من السلطات السعودية، حيث قدمت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية شكاية إلى مؤسسة مطوفي الحجاج الدول العربية، وهي مؤسسة أهلية غير حكومية، بعد أن أصدرت بلاغا أولا، مفاده ان ما تم تداوله من الفيديوهات يرجع إلى السنوات الماضية، وبعد ذلك أكدت من جديد أنها قد قامت بالاتصال بالسلطات السعودية لتتساءل عما سمته بالاختلالات، والأمر لا يتعلق بالاختلالات فقط، يتعلق بتفريط في حقوق المواطنين الذين دفعوا من أموالهم ما كان من المفترض أن يمكنهم من أداء فريضتهم وركن الحج الخامس من أركان الإسلام على أحسن وجه، ولكنهم ووجهوا بما لم يكن لهم في الحسبان، حيث قضى الكثير منهم لياليهم على أرصفة دورات المياه، وفي الشارع العام نساء ورجالا دون أن يقام لهم اهتمام، أو أن يلتفت إليهم من طرف مسؤولي البعثة المغربية الرسمية أيضا.

مع التذكير بأن صاحب الجلالة الملك محمد السادس قد وجه تعليماته السامية إلى البعثة المغربية الرسمية قبل توجهها إلى الديار المقدسة لتعتني بشؤون الحجاج ومصالحهم لأنه أمير المؤمنين، ويرعى مصالح رعيته في أداء شعائرهم الدينية، وما حدث كان العكس فمن يتحمل المسؤولية؟

لقد أرادت السلطات المغربية أن تنحي باللاءمة على السلطات السعودية، مع العلم أن السلطات المغربية مسؤولة بالأساس على تدبير شؤون الحجاج بدء من مغادرتهم أرض الوطن إلى عودتهم سالمين غانمين.

أذكر أنه في سنة 2011 وقد كنت شاهد عيان على ذلك، واجه الحجاج المغاربة ظروفا قاسية بعد عودتهم من أدائهم للحج الأكبر بعرفة، إلى مشعر منى، حيث وجدوا خيامهم قد احتلت من طرف حجاج دول أخرى، وبصف خاصة الحجاج الموريتانيين، وخرجوا إلى الشارع في تظاهرة احتجاج.

أذكر أنه في تلك الليلة من ليالي التشريق، توجهت مع مجموعة من الأصدقاء، ومجموعة من الحاضرين الذي كانوا يقاسمونني موقع وجودي بمشعر منى، وقد كنت أنذاك أؤدي مناسك الحج تحت إشراف وكالة الأسفار لنرى أوضاع الحجاج، الحج الرسمي الذي تؤطره الدولة.

كان من بين الحاضرين معي في تلك الليلة وزير الدولة الحالي في حقوق الانسان السيد مصطفى الرميد، الذي حاول أن يهدأ روع هؤلاء الحجاج، وقد كان أنذاك من قياديي حزب العدالة والتنمية، كما هو الآن وكنا على بعد أيام قليلة من الانتخابات التشريعية التي قادت هذا الحزب إلى سدة تدبير الشأن العام.

كانت الظروف سيئة لهؤلاء الحجاج، كنت أعرف بعضهم وكنت أعلم أن هناك منهم من المسنين والمسنات الذين عانوا في ليلة سيئة جدا، ولولا تدخل بعض المسؤولين السعوديين لكانت الكارثة أسوء مما كنا نتصور.

إذن الوضعية ليست جديدة على على واقع الحجاج المغاربة، فمن يتحمل المسؤولية إذن كما قلنا؟

إنه في الدول الديمقراطية التي تحترم نفسها عندما يحدث مثل هذا الأمر يبادر المسؤول عن القطاع إلى تقديم استقالته، أو تبادر السلطات المعنية إلى إقالة الوزير المعني لأنه لم يؤدي واجبه اتجاه هؤلاء المواطنين، ولم يسهر على رعاية مصالح هؤلاء الحجاج من خلال البعثة التي يشرف على متابعة أعمالها، ولو من داخل المغرب.

إننا في المغرب نحترم مؤسسة إمارة المؤمنين لأنها المؤسسة التي ترعى مصالح المواطنين الدينية، وترعى حقهم في أداء مناسكهم وشعاءرهم المختلفة، وإلى هذه المؤسسة يرجع أمر البث في هذا الموضوع، وننتظر النتائج، ماذا سيحدث بعدما وقع من مآسي لهؤلاء الحجاج والتي مازالت تداعياتها تصلنا يوما بعد آخر.

 

رشيد الصباحي

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة