الجزيرة تسلط الضوء على سائقة التاكسي الوحيدة في مراكش

حرر بتاريخ من طرف

على ضوء مصابيح زقاق ضيق قريب من بيتها بمدينة مراكش، تفحص حورية سيارتها مثل أي سائق سيارة أجرة محترف، تدقق في مستوى زيت المحرك، وتضرب برجلها بقوة العجلات لتتأكد أن كل شيء على ما يرام؛ لتبدأ رحلة يومية جديدة سعيا وراء لقمة العيش.

تقطن حورية في حي شعبي مع ابنتها الوحيدة في غرفة متوسطة، بعد أن انفصلت عن زوجها قبل عقدين من الزمن.

مع كل إشراقة صباح، ومع تكوّن خيوط الشمس الأولى، تقطع مسافة ألف ميل نحو المدينة الحمراء، حيث تكون حورية في صلاة قلبية تناجي الله بأن يكون يومها أحسن من أمسها.

يركب أول زبون السيارة بنية اللون، حيث تنبعث من مذياعها أغنية قديمة لفرقة “لمشاهب” الموسيقية التي تملأ المكان ألما وأملا بأغنية تقول:

السايق تالف
والراكب خايف
وسفينتنا تحت الماء عوامة
وجميل بابا في الكلام أغياث

أول راكب
تلقي حورية التحية للراكب بجانبها، فوجهه ليس غريبا، إذ صادفها أكثر من مرة، مما ساعدها على معرفة وجهته، وهي جامعة القاضي عياض التي يعمل بها أستاذا.

ويفتخر الراكب بكون أن امرأة هي من توصله إلى مكان عمله، كما يثني على تعاملها مع الزبائن وامتهانها مهنة ظلت تحت سيطرة الذكور.

وقال للجزيرة نت “حورية سائقة ماهرة، تحترم القوانين، وتتعامل بأدب جم، أحس بثقة وأمان، وأعيب على كل من يرى أن المرأة هي الأكثر تعرضا للحوادث”.

أما زملاؤها في المهنة فيلقبونها بالمرأة الحديدية، فهي السائقة الوحيدة في مراكش التي اقتحمت هذه المهنة الرجالية بامتياز، رغم أن المرأة المغربية تعمل في مهن أخرى.

لكن يبقى الأمر محيرا؛ فعدد قليل من النساء يعمل سائقات سيارة أجرة، ففي مدينة الدار البيضاء مثلا، وهي أكبر مدينة مغربية حيث يتواجد أكثر من عشرة آلاف سائق مهني لسيارات الأجرة، ليس بينهم إلا ثلاث نساء، في حين لا توجد امرأة واحدة في مدن مغربية أخرى.

ولا يجد المتخصص في علم النفس الاجتماعي مصطفى السعليتي غير تفسير واحد، يرجعه إلى ما تعيشه حورية واجتهادها في إثبات ذاتها.

التنافر المعرفي
فهي بحسب المتحدث، امرأة تستحق كل التنويه، ذلك أنها استطاعت أن تلائم معتقداتها السابقة ونظرة المجتمع لها مع واقع تعيشه، وهو ما تفسره بقوة نظرية جديدة تسمى “التنافر المعرفي”، وهي حالة من التوتر أو الإجهاد العقلي أو عدم الراحة التي يعاني منها الفرد الذي يحمل اثنين أو أكثر من المعتقدات أو الأفكار أو القيم المتناقضة في الوقت نفسه”.

وعن ظروف عمل السائقين، قال المسؤول في نقابة مهنيي سيارات الأجرة رشيد خليفة، إن قيادة سيارة الأجرة مهنة صعبة جدا حتى على الرجال، ذلك أن السائق يتعامل في اليوم الواحد مع أصناف شتى من الناس، ويتعاملون بطرق مختلفة.

وأضاف أن من الركاب من يستغل فرصة تواجده مع “غريب” ليحكي آلامه أو أفراحه، ومنهم من يريد التهكم، ومن يريد الاستفزاز، وتنتقل حالة السائق النفسية والعاطفية من فرح إلى كدر ومن تفاهم إلى جدال، في حين يدور رأسه من السياسة للاقتصاد، ومن الدين إلى الرياضة والفنون.

العمل والبيت

تنوع مشارب الركاب واختلاف همومهم كما تختلف وجهاتهم، موضوع علقت عليه حورية بالقول “هناك من يشجع، ومنهم من يحطم نفسك، ومنهم من يعتبرك لقمة سائغة، وتدور في ذهنه الأفكار الخبيثة، بل إن مستعملي الطريق يتعاملون في البداية بأدب، لكن ما إن تلمح عينهم امرأة حتى يتغير سلوكهم للاستهزاء”.

وبعد ساعتين من العمل، تتوقف حورية من أجل قسط من الراحة، تشرب قهوتها، وتتقوى بوجبة خفيفة، في هذه الفترة تستعيد أنفاسها بعد توتر واضح.

وعن كيفية مزاوجتها بين مهنتها والتزاماتها الأسرية بالبيت، أوضحت حورية أنها تستطيع تنظيم وقتها، فهي تختار فقط الفترات الصباحية للعمل، وتخصص ما تبقى من ساعات لبيتها.

حين تكمل عملها بعد نحو ست ساعات وراء المقود مع فترات متقطعة من الراحة، تكون الشمس قد مالت إلى الزوال، ومن ثم تتجه حورية لبيتها بفخر وهي تقول إن الحياة ليست سهلة كما يعتقد البعض، لكن المرأة هي وحدها من تملك قرار نجاحها أو فشلها.

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة