الجزيرة تسلط الضوء على الأجواء الرمضانية المميزة بمساجد مراكش

حرر بتاريخ من طرف

ينبعث من مسجد الكتبية التاريخي بمدينة مراكش صوت شجي يصدح بالقرآن الكريم ويملأ الآفاق في ليلة رمضانية هادئة.. المتراصون خلف الإمام ليسوا وحدهم من يستمتع بتلك القراءة الخاشعة، فالمارون في الشارع المقابل والجالسون في المقاهي والحدائق المجاورة والسياح الأجانب الواقفون خلف السياج تشملهم كثير أو قليل من تلك الأجواء الروحانية التي يشهدها المكان خلال صلاة العشاء والتراويح.

ويقول إمام مسجد الكتبية وديع شكير -يعمل موثقا ويؤم الناس في كل رمضان منذ حوالي عشر سنوات- للجزيرة نت ” أن للمسجد مكانة متميزة في قلوب أهل مراكش، فعبق التاريخ يلازمه وحبهم له يزداد في شهر الصيام”.

 

أجواء خاصة

للمدنية الحمراء أجواء خاصة في شهر رمضان المبارك، فهي تعرف بوفرة المقرئين الجيدين وبالإقبال الشديد على المساجد والساحات خلال صلاة التراويح وصلاة التهجد.

يقول الإمام بمسجد الهدى أسامة زروال “جميل جدا أن ترى أفواجا من المؤمنين تقصد المساجد ليلا لأداء الصلاة في ثياب جميلة في منظر تقشعر له الأبدان.. هكذا يضع شهر الصيام بصمته الباهرة في ذهن أهل مراكش وزوارها”.

وتسهر لجان مدنية بتنسيق مع السلطات المحلية على راحة المصلين، وتحرص على توفير الحصائر وتجهيز الصوتيات بجودة عالية وتقنية متطورة وإرشاد الناس إلى أماكن الصلاة، في حين يقدم المتطوعون في منظمة الهلال الأحمر المغربي ورجال الوقاية المدنية خدمات صحية متنوعة.

يؤكد رئيس اللجنة المنظمة للصلاة في مسجد الكتبية “عزيز مريد” أن عدد المصلين من النساء والرجال يبلغ كل ليلة حوالي 30 ألفا تضيق بهم جنبات المسجد لتمتد الصفوف عشرات الأمتار في الساحات المجاورة ويتضاعف العدد في العشر الأواخر من رمضان، ويصل القمة في ليلة السابع والعشرين ليلة ختم القرآن والدعاء.

ويوضح الإمام أسامة زروال أن الأجواء الروحانية الممتعة في الشهر الكريم لا تقتصر على مسجد الكتبية، ففي كل حي بالمدينة، كبيرا كان أو صغيرا، يقبل الناس على الصلاة، ويوفر لهم إيقاع الحياة المتغير في شهر الصيام فرصة التجمع ليلا لأداء الصلاة بتلك الكثافة.

ويضيف الإمام وديع شكير أن الإقبال على مسجد الكتبية ليس غريبا على أهل المدينة، فهو “مسجد العلماء بامتياز وتم بناؤه في عز الحضارة الإسلامية بطريقة معمارية فريدة على أسس التقوى من أول يوم وكانت تخرج منه الفتوى وتعقد داخله اللقاءات ذات الصبغة الاجتماعية”.

 

أصوات شجية

يؤكد الإمام أسامة زروال المعروف بصوته الجميل أن المدينة أنجبت خيرة القراء على الصعيد الوطني منهم الشيخ المقرئ عبد الرحيم نبولسي والشيخ المقرئ عمر القزابري والشيخ الإمام مولاي هشام الراجعي الإدريسي وغيرهم الذين وصلت شهرتهم آفاقا واسعة، وصار الناس يتبعون سيرتهم ويجعلونهم قدوة لأبنائهم في حفظ القرآن الكريم وتجويده.

ويضيف زروال أن “من يدخل المحراب يشعر بكثير من الرهبة والسطوة الروحية للمكان تعجز الكلمات عن التعبير عنها وتمنح صاحبها إحساسا غير عادي”، ويقول إن بكاءه خلال تلاوة القرآن بكاء عفوي ويعبر عن استشعاره لمعاني الآية الكريمة، فمثلا عند تلاوة “وبالوالدين إحسانا” يتذكر أمه رحمها الله التي صلى عليها في المحراب ذاته.

في الشارع المقابل لباحة المسجد، يصطف العشرات من السياح خلف سياج يراقبون المصلين، فمنهم من يأخذ صورا تذكارية أو يسجل لقطات فيديو، ومنهم من يناقش مع صديق أو رفيق له منظر المصلين الذي لم يألفه بالمدينة الحمراء.

وتقول سائحة فرنسية للجزيرة إن أكثر ما يدهشها الاصطفاف العجيب للمصلين وقيامهم وقعودهم في حركة واحدة وتصفهم بـ”موجة بحر واحد” في حين ينغمس مرشدها السياحي في بحر من الأسئلة التي كانت تحاصره بها عن الصوت والحركات والملابس التي يرتديها المصلون.

 

اعتناق الإسلام

يعلن عدد من الأجانب في مدينة مراكش في كل شهر رمضان عن إسلامهم أمام جموع المصلين في لحظات تختلط فيها مشاعر البهجة والترحاب بالأجواء الإيمانية الكبيرة.

ويشهد مسجد الكتبية كل سنة إسلام ما بين 20 و25 فردا من النساء والرجال أغلبهم من شمال حوض البحر الأبيض المتوسط كفرنسا وإسبانيا وإيطاليا، ويقول الإمام وديع شكير إن الدوافع الاجتماعية لاعتناق الإسلام كالزواج قليلة جدا، وإن أغلب المسلمين الجدد يعتنقون الإسلام للبحث عن الحقيقة كما يقولون.

ويكشف الإمام أن شخصين اعتنقا الإسلام بعد أن تأثرا بسماع القرآن خلال متابعة الصلاة فقررا التعرف عليه أكثر قبل أن يعلنا إسلامهما، وأن أكثر الأسماء التي يختارها المسلمون الجدد تتراوح بين محمد ومصطفى للرجال وبين مريم وعائشة وخديجة للإناث.

 

وجوه في الأذهان

من بين الوجوه التي رسخت في ذهن الإمام امرأة سبعينية اختارت اسم مريم، كانت تتحدث بسرور كبير خلال نطق الشهادتين ونقلت فرحتها إلى عموم المصلين بشكل جميل، وهي تقول إنها دخلت الإسلام ليس لأنها تعد آخر أيامها، فهي لا تعلم ما بقي لها من العمر، بل لأنها عرفت أنه هو الدين الحق وأن الله هداها وأنار قلبها.

وتنقضي صلاة التراويح في مساجد مراكش، لكن حركة الليل في المدينة لا تنتهي، فالمناسبة سانحة لتجمعات عائلية وبين الأصدقاء في حدائق ومنتزهات المدينة، في حين يستغل البعض أجواء الليل لصلة الرحم وزيارة البيوت.

ويقول الإمام أسامة زروال “رمضان شهر مميز بمراكش.. فيه تصفى المعادن وتختبر الطبائع ويكثر الإحسان ويتخلى المرء عن أنانيته وشهواته ويفكر في جيرانه وأصدقائه وعائلته التي قد يكون قد نساها طيلة العام”.

 

الجزيرة

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة