الإفلات من العقاب جعل مراكش تعيش تحت وطأة النهب للملك العام

حرر بتاريخ من طرف

اعتقد أن ما يجري من انهيار للمنظومة الصحية، اضافة الى مخلفات سياسة التقويم الهيكلي والخوصصة وتقوية القطاع الخاص، وتقليص الانفاق في المجالات الاجتماعية، يجد سنده كذلك في هدر ونهب المال العام والافلات من العقاب في الجرائم الاقتصادية، الذي يشكل احد عوامل افلاس وانهيار الخدمات الاجتماعية، وبعيدا عن العموميات، وباستحضار جزء من قضايا سوء التسيير والتبدير وشبهات التلاعب ونهب الميزانيات المالية لبعض المشاريع والبرامج ،يتضح ان النتيجة الحالية لافلاس منظومة الخدمات الاجتماعية نتيجة متوقعة، رغم اننا نبهنا مرارا وتكرارا لذلك.

ومن الملفات الكبرى التي وقفت عليها الجمعية المغربية لحقوق الانسان فرع المنارة مراكش، وراسلت بشأنها الدوائر الحكومية والجهات المسؤولة وطنيا ومحليا، على سبيل المثال لا الحصر ” برنامج مراكش الحاضرة المتجددة” والذي حسب الاتفاقية الاطار المذيلة بتوقيع عدة وزارات اضافة الى مؤسسة العمران والجهة والمجلس الجماعي، فان الغلاف المالي المخصص لهذا البرنامج محدد في 6.3 مليار درهم، ويهم البرنامج الذي من المفترض ان تنتهي اشغاله مع نهاية 2017، البنيات التحتية من طرق وتلك المخصصة للخدمات الاجتماعية كالصحة والسكن والتعليم، اضافة الى الجانب الثقافي وحماية المآثر التاريخية والثراث الانساني، وايضا تأهيل المنتجعات والحدائق العمومية والممرات السياحية ، انه برنامج باختصار، نظرا للغلاف المالي المخصص له، كان من المفروض ان يغير ملامح المدينة الحمراء وينهض بها ، برنامج مراكش الحاضرة المتجدد تعثر ان لم نقل فشل ،دون ان تعطي الدوائر المسؤولة الحساب والاسباب التي ادت الى ذلك.

لقد انجزنا تقريرا وراسلنا بشأنه الحكومة في نونبر 2017 دون ان نتلقى اي رد، سوى تحركات هنا وهناك للتغطية على الفشل، والترويج للمنجز والذي نتوفر على معطيات تفيد انه لم يحترم الجودة والدقة ، وان المخصص المالي كان مبالغ فبه مقارنة مع الاشغال .

مشروع اخر خصصت له ميزانية ضخمة ،ويتعلق بهيكلة 27 دوار موزعة على جماعات حربيل، السعادة، تسلطانت، بدوره كان مقررا ان تنتهي الاشغال فيه مع نهاية 2015، جولة بسيطة ستبين ان نسبة الانجاز محتشمة وتحول المشروع من اعادة الهيكلة المصرح بها في الاتفاقية الاطار الى التأهيل.

هذا البرنامج بدوره راسلت في شأن الجمعية المغربية لحقوق الانسان فرع المنارة مراكش المسؤولين ، واثمر الاستماع الى الجمعية من طرف الفرقة الجهوية المختصة في الجرائم المالية منذ مدة تجاوزت السنة دون ان يعرض الملف على القضاء.

والغريب انه تم الترامي من طرف شخصية نافذة على بقعة ارضية مساحتها هكتار بمنطقة سيدي يوسف بن علي لانجاز وبناء محطة للمحروقات، في حين انها كانت مخصصة حسب برنامج الحاضرة المتجددة لبناء ثانوية تأهيلية، ووجه الغرابة انه بعد نضالات الجمعية وكشفها عن الانتهاك الفاضح لمضامين البرنامج واسترجاع البقعة لوضعيتها الاصلية بإلغاء قرار لجنة الاستثناءات لم تتحرك اي جهة للكشف عن حقيقة الامور ومساءلة المسؤولين عن هذه الفضيحة، بل حاول الشخص المستولي على البقعة بثمن بخس اللجوء للقضاء معتبرا نفسه له احقية الحيازة.

ان سياسة الافلات من العقاب جعلت مراكش تعيش تحت وطأة النهب للملك والمال العامين، فحجم اللاراضي المفوتة بطرق غير شفافة من ملك الدولة الخاص الى لوبيات العقار وصل حوالي 34% من مجموع الاراضي المفوتة من ملك الدولة الخاص الى الخواص. ناهيك عن ملفات عالقة منذ سنوات معروضة على القضاء، كملف كازينو السعدي الذي فوت على المدينة سنة 2001 حوالي 46 مليار سنتيم، وملف نائب العمدة الاسبق او ما يعرف بقضية ستي وان الذي قضت بشأنه المحكمة الابتداية بالسجن ،لينال المحظوظ البراءة استئنافيا ويستولي على 4.8 مليار .

ناهيك عن السطو على اراضي بثمن بخس لانجاز مشاريع خاصة مربحة ولا تتضمن اي جانب اجتماعي، ولنا في ملف احد كبار موظفي وزارة المالية أكبر دليل.

بالنسبة للقطاع الصحي سبق لنا قبل الجائحة وبالضبط خلال بداية نونبر 2019 ان انجزنا في الجمعية المغربية لحقوق الانسان تقريرا مفصلا حول المركز الاستشفائي الجامعي بمراكش ، وعقدنا لقاءا مع المدير العام، وبسطنا كل القضايا المتعلقة باعمال الحق في الصحة والخدمات العلاجية والادوية والمستلزمات الطبية والبيوطبية ، وفقدان العديد من الادوية خاصة المتعلقة بالامراض السرطانية والدم، ومرض القلون العصبي، واثقال كاهل المرضى بمن فيهم حاملي بطاقة راميد بشراء مستلزمات العمليات الجراحية، كما وقفنا مع الادارة على الفوضى التي يعرفها قسم المستعجلات، وغياب الادوية في الصيدلية المركزية ، وقضية طول مدة المواعيد وغيرها من القضايا التي تهم تدبير وتسيير هذه المؤسسة العمومية والخدمات التي تقدمها، ورغم حجية ما نطرحه فلم نتلق اي رد او توضيح شافي ولم نلمس اي اهتمام لتجاوز الازمة وتجويد الخدمات المقدمة للمواطنات والمواطنين.

اليوم حينما نقف على هول الكارثة وانكشاف اننا نفتقد لمنظومة صحية قادرة على تقديم الخدمات الصحية اللائقة ، تباغثنا الجهات المسؤولة بتحميل المواطنين تبعات فشل تلك المنظومة.

نعم من حقنا ان نساءل الدوائر المسؤولة على تقليص العرض الصحي العمومي ، ودعم استنبات القطاع الخاص وما علينا الا القيام باحصاء بسيط لتبيان حجم تطور هذا القطاع، مقابل ترك القطاع العمومي للتقادم والتلف والانهيار ودليلنا الوضعية الكارثية لمستشفى ابن زهر (المامونية)، وغياب اي مستشفى جهوي بالمدينة بعد تحويل مستشفى ابن طفل تابعا للمركز الاستشفائي الجامعي، واغلاق مستشفى رياض الموخا الذي كان مختصا في علاج الامراض الصدرية، ومن القضايا التي تبرز عدم إعطاء قطاع الصحة العمومية الاهتمام المستحق، تعثر وعدم انجاز وتجهيز مستشفى المحاميد ومستشفي بسيدي يوسف في الاجال المحددة، بل والاهم انه لم يتم الاسراع وتكثيف الاشغال خلال مرحلة الحجر الصحي لجعلهما جاهزين في حالة الضرورة.

ان مراكش مدينة المفارقات ، حيث يتجاور الغنا الفاحش والفقر المدقع ، فالمدينة التي يسوق لها و أريد لها ان تكون وجهة سياحية وحاضنة للعديد من الملتقيات والمؤتمرات الدولية الفنية والسياسية والاقتصادية، بينما الوجه الحقيقي للمدينة يتم طمسه والتغاضي عنه ، انها مدينة تسير بسرعتين على مستوى التطور والتجهيزات والبنيات، سرعة خاصة بالاحياء الراقية والمنتجعات السياحية وكل ما يتعلق بالسياحة، وسرعة تراجعية او الدوران حول الذات فيما يتعلق بالاحياء الهامشية واحزمة الفقر واغلب أحياء المدينة ، وما يؤكد ذلك ان البرامج التي اشرنا اليها اعلاه لم يكن لها اي وقع على مستوى تطور المدينة.كما ان الميزانية التي يخصصها المجلس الجماعي للاحياء الراقية تبين البون الجلي على مستوى نوع الخدمات المقدمة للساكنة.

واذا كنا اليوم نعيش في ظل الجائحة مأساة حقيقية ،ومعاناة للمصابين وذويهم، فاننا في نفس الوقت نجني فشل السياسات المتبعة خاصة في المجالات الاجتماعية والاقتصادية، فالاعتماد على قطاع واحد غير منتج ، وشديد الحساسية حيث يتأثر باي حادث حتى لو كان غير ممنهج ،جعل مراكش في ظل الجائحة تعرف ركودا قاتلا بسبب الازمة الحادة لقطاع السياحة، والتي نتعتقد انها ستستمر لمدة غير قصيرة، كما ان الجائحة عرت واقعا صحيا مأزوما، سرعان ما انهار في اول اختبار.

اننا حينما كنا نطالب باسترجاع الاموال المنهوبة وتوظيفها في توفير الخدمات الاجتماعية لتأمين الحقوق الاساسية للمواطنين، وحينما نؤكد على وضع حد للافلات من العقاب في الجرائم الاقتصادية والاجتماعية ، فاننا لم نكن ندافع سوى عن سيادة القانون والخضوع لاحكامه، وايضا للدفاع عن حقوق الانسان بما فيها الشفافية في الجوانب المتعلقة بصرف المال العام ، وتدبير الصفقات وجودة انجازها، ومحاربة الريع والرشوة والفساد الاقتصادي، هذه القضايا تم التغاضي عنها واعفاء العديد من المسؤولين الاداريبن والمنتخبين من المساءلة والمحاسبة حتى اصبحت ظاهرة بنيوية معيقة للتطور والتنمية، ورافعة للاغتناء غير المشروع.

واليوم بعد وصول السياسة الصحية للافلاس وتهديد سلامة وصحة الساكنة، والعصف بحقهم في الصحة والعلاج ،بل حقهم في الحياة والامان الشخصي، والحماية من الرعب والخوف الذي يستوطن وجدان وفكر الساكنة ، علينا تقوية جبهة المواجهة للسياسات العمومية خاصة ما يتعلق بتلك التي توجه للجانب الاقتصادي والاجتماعي، والنضال بكل هوادة من اجل محاسبة ومحاكمة المسؤولين عن هذه الوضعية، وعن اساليب تنويم وايهام السكان بان الامور تحت السيطرة، حتى اصبحت مسيطر عليها، وحين ندعوا للمساءلة ليس فقط الادارية وانما القضائية.

 عمر اربيب

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة