الأندلسي يكتب لـ كشـ24: الفن و السياسة بين الحضارة و الحقارة

حرر بتاريخ من طرف

ادريس الأندلسي

مرت الإنتخابات بخيرها و شرها و أعطت لمواطني المغرب ما قد يكون قد استحقوه من مستشارين في الجماعات الترابية و نواب في البرلمان و وزراء في الحكومة. لدينا نخبة تحكمنا و تشرع باسمنا و تدبر أموالنا كما شاءت في ظل قوانين و مراسيم و تقاليد. قيل الكثير عن مشاركة بعض الفنانين في المنافسة السياسية و جرى نقاش غير صحي عن الاستقطاب و عن دور الفنان خارج محيطه الإبداعي. قررت الصناديق أن تصعد فنانتان إلى مجلس النواب كما صعد قبلها فنان خلال الفترة النيابية ما قبل الأخيرة. كان من الأجدى طرح سؤال الإنتماء السياسي لمن إختار من الفنانين دخول مسرح الصراع حول اختيارات و سياسات عمومية لها ارتباط بحقوق و واجبات المواطن. قد نختلف مع الفنان في قراءة و قبول أو رفض ما يقدمه للجمهور و يمكن أن نختلف معه في شأن اختياره الحزبي دون أن ننكر حقه في الإختيار. لكن الأهم هو أن يصل صوت الإبداع الثقافي إلى من يقررون في قضايا الوطن و يدبرون شأنه العام.

أعطى عاهل البلاد إشارة قوية لأهل السياسة عن دور الثقافة في التنمية و في تمتين روابط مختلف مكونات الشخصية المغربية. و تقلدت الراحلة ثريا جبران مسؤولية وزارة الثقافة بعزم و إرادة و أظهرت أن المسرح و الكتاب و اللوحة و الأغنية جزء مهم من مسيرة شعب في إتجاه التقدم و الرخاء الإقتصادي و الإجتماعي. ولكن علاقة السياسة بالثقافة لا زالت رهينة ضعف أغلبية النخبة في التجاوب مع الإبداع و اتسمت بنوع من القطيعة بين ما يسمى بالكفاءة التدبيرية و الخبرة المهنية و الإقبال على القراءة و المسرح و الموسيقى. و تكاد تشمل هذه الظاهرة السلبية كل أطياف المجتمع السياسي و المدني. غاب الكبار الذين كانوا يرون في الثقافة مفتاحا للانفتاح على الإختلاف مع الآخر و قبوله و أداة لترقية الأذواق في كافة أرجاء الوطن. و مر الواقع الثقافي من مراحل عديدة كان الصراع فيها كبيرا بين السلطة و المثقف و ظل الإبداع ،رغم كل شيء، حيا في ربوع الوطن من خلال المشهد المسرحي و الجملة الموسيقية و اللوحة التشكيلية. و بعدها توالت النكسات جراء موجات متتالية هاجمت الفن و الفلسفة و القصة و الفن التشكيلي جسدت حركة رجعية ماضوية وصلت إلى حد تكفير الإبداع و تحريم الموسيقى و الغناء. و بالرغم من كل هذا صمد الفنانون و المثقفون في غياب سياسة ثقافية ذات بعد استراتيجي. تعيش بلادنا اهتماما كبيرا بالمتاحف و تغدق عليها في الوقت الذي يتم التعامل فيه مع الإبداع المسرحي و الغنائي بمنطق السوق تارة و بمنطق ” المنحة أو الصدقة” تارة أخرى. كل هذا في وجود حكومات تعاملت مع الثقافة بكثير من الاستهتار مع وجود حالات ناذرة لتقدير الإبداع و دعمه.

و يظل الفن في بلادنا ذلك المجال الذي يحتاج إلى النظر الثاقب و الاستشرافي. كيف يمكن أن لا اصفق لرجال السياسة في الدول الغربية المتقدمة و هم لا يعيشون حياتهم دون الإهتمام بالإبداع كجزء من وجودهم. و للتأكيد اسوق مثالا عن هذا التعامل من خلال وقوف شخصية فرنسية سياسية على أحد مسارح حي مونبارناس بباريس في عرض حول موضوع النساء اللواتي ايقظت فرنسا من سباتها. يقف على المسرح جان لوي دوبري وزير داخلية سابق و رئيس سابق لمجلس النواب و رئيس سابق للمجلس الدستوري الفرنسي و إبن صانع مؤسسات الجمهورية الخامسة بفرنسا خلال حكم الجنرال دوكول. السياسة الحقيقية يمارسها من يعشق الثقافة من خلال الكتاب و المسرحية و اللوحة التشكيلية و الأغنية. سياسيونا لن يتكلمون عن مسرحيات الطيب الصديقي أو الحان عبد السلام عامر أو لوحات الشرقاوي أو إبداعات الثراث المغربي. سيتكلمون و بكثير من الفخر عن تنظيم مهرجانات غاب فيها الإبداع و رقصت فيها الألاف و صرفت عليها الملايين. أتذكر أحد المثقفين حاملى هم التربية الموسيقية عن عدم توفر المعاهد الموسيقية عن الكثير من الآلات الوترية التي لا يستقيم في غيابها أداء مقطع من الموسيقى الكلاسيكية بالاتقان المطلوب . قليل من رجال السياسة يمكنهم تاثيث برنامج ثقافي في محطة إذاعية أو تلفزية و قد لا تجد في صالوناتهم بعض الكتب. أتمنى أن تمنحني الحكومة المقبلة بعض التفاؤل لكي أحلم بغد ثقافي أفضل.

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فيديو

للنساء

ساحة