الأمن الوطني شأن عام، وأمن مراكش يهم الرأي العام المراكشي

حرر بتاريخ من طرف

الأمن الوطني شأن عام، وأمن مراكش يهم الرأي العام المراكشي
لم تكن لدي رغبة في أن أخوض مع الخائضين في ما يعتمل داخل الجسم الأمني بالمدينة الحمراء هذه الأيام، ولم يكن ذلك ضمن همي أو اهتمامي، اللهم ما كان من أمر الأخبار التي تتقاطع مع هذا الجهاز الأمني أو ذاك، باعتبارها أخبار تهم الرأي العام الوطني والمحلي، وأيضا لأنها تعد جزءا من عملي اليومي كفرد من أفراد قبيلة الصحافيين.
 
ولعل ما تم تداوله خلال الـ48 ساعة الأخيرة، والإشارات التي وصلتني من هذا الجانب أو ذاك، واتهام بعض الأقلام بـ”العمالة” لأرباب أ وكار الفساد (الشيشا وغيرها)، هو ما استفزني ودفعني دفعا إلى توضيح بعض الأمور في ما يجري ويدور.
 
لا بد من الإشارة أولا، إلى أن “الحرب” التي شنتها مصالح الأمن بمدينة مراكش، منذ شهر يوليوز من سنة 2013، على أهم المواخير و أوكار القمار والفساد والدعارة، واكبتها الصحافة الوطنية والمحلية من باب الإخبار أولا، وثانيا من باب الاستحسان، بالنظر إلى أن تلك الأوكار، أصبحت في نظر المراكشيين منيعة ومحصنة، بعدما استقوى أربابها، وتمكنوا عبر السنين والأعوام، من “كسر شوكة” جميع آلات الرقابة والمراقبة والردع، وأصبحوا هم أصحاب الكلمة الفصل في المدينة، وبعضها لازال إلى يوم الناس هذا، بعيدا عن كل مراقبة أو ردع.
 
وهنا لا بد من طرح الأسئلة التالية : ألم تكن الصحافة الوطنية والمحلية حينها، إلى جانب المصالح الأمنية، عبر المواكبة ونقل تفاصيل عمليات المداهمة والتأديب؟، ألم تكن رموز الفساد من أرباب أوكار الفساد تلك، تشن حملة مسعورة على الأجهزة الأمنية وفي مقدمتها، محمد الدخيسي والي أمن مراكش (المعين حديثا حينها)؟، هل كانت الصحافة الوطنية لحظتها إلى جانب الأجهزة الأمنية أم إلى جانب “أجهزة” أوكار الفساد ورموزه؟، ما الذي تغير اليوم حتى أصبحنا نتهم بـ”العمالة” لأرباب أوكار الفساد؟.
 
لا نريد تقديم أي درس في الوطنية لأحد، ولكن بالمقابل نريد أن نهمس في آذان بعض من رمونا بـ”العمالة” لأرباب أوكار الفساد بمدينة الرجال السبعة، أن الوطن.. ورموز هذا الوطن.. وحب هذا الوطن.. والإخلاص لهذا الوطن.. محفور في قلوبنا ووجداننا، وهو أكبر وأقدس من أن يمسه بسوء الصناديد من أعداء الوطن، فما بالكم بـ “أوساخ” ما بعد منتصف ليل المدينة، وأكوام قذارة  المدينة.
 
إن لمفهوم الأمن معان كثيرة، أقربها وأبسطها،  أن الأمن نقيض الخوف.. والأمن هنا هو طمأنينة الناس وسكينتهم. والأمن يعني كذلك، سلامة الناس في أبدانهم وفي ممتلكاتهم. والأجهزة الأمنية  مسؤولة عن حفظ الأمن وإشاعة السكينة والطمأنينة بين الناس.. والأمن في عمقه يعني غياب التهديدات ضد القيم الوطنية، أو القيم المركزية للأمة. ويعني أيضا، غياب وانتفاء التهديدات الخارجية ضد هذه القيم. ولن نسترسل في الحديث عن أنواع الأمن : الغذائي والروحي وغيره.
 
قبل بضعة أيام خلت، قال الملك محمد السادس في كلمة موجهة إلى المشاركين في الدورة الـ31 لمجلس وزراء الداخلية العرب بمراكش:” إن السياسات الأمنية الناجحة، رهينة بمساهمة المواطن، وشعوره بدوره البناء في استتباب الأمن والطمأنينة.. ومن هذا المنطلق، فإن مفهوم الأمن الحقيقي، لا يقتصر فقط على معناه الضيق، بل إنه يقوم بالأساس على جعل المواطن في صلب السياسات العمومية، وذلك في إطار شراكة مجتمعية ناجعة وفاعلة، قوامها التكامل بين الدولة والمواطن، والاندماج الإيجابي بين متطلبات الأمن، ومستلزمات التنمية، وصيانة حقوق الإنسان”.
 
وقال العاهل المغربي بنفس المناسبة:”..وانطلاقا من الدور الحاسم الذي يقوم به المواطن، كشريك أساسي في ضمان الأمن والاستقرار، وفي العمل التنموي على حد سواء، وكعنصر مركزي في المساهمة في خلق المناخ الاجتماعي السليم، المتشبع بالديمقراطية، وثقافة حقوق الإنسان، فقد عملنا على التأسيس لمفهوم جديد للسلطة، يرتكز على حفظ وتوسيع فضاءات الحريات، وصيانة كرامة وحقوق المواطنين، في إطار دولة الحق والقانون، وترسيخ ديمقراطية القرب، والمنهجية التشاركية في  تدبير الشأن العام”.
 
أوليس الشأن الأمني شأنا عاما؟ أليس المواطن جزء من المسألة الأمنية؟، ا ليس نجاح السياسيات الأمنية رهينا بمساهمة المواطن في استتباب الأمن؟، لعل في كلام ملك البلاد دروس لرجال الأمن ولمواطني هذا الوطن، أعمق من مفهوم الأمن الضيق في أذهاننا، المبني على الخوف، والخوف ضد نقيض الأمن.
 
 
 
 
إن الجهاز أو الأجهزة الأمنية الموكول لها أمر الأمن، بالمعاني التي سلف ذكرها، إن هي توقفت أو ضعفت أو  عجزت  عن القيام بدورها، تصبح الدولة أو الأمة ضعيفة وعاجزة.. وقبل هذا وذلك، تصبح الأجهزة الأمنية صغيرة في نظر المواطنين، وتصبح الدولة بذلك صغيرة وضعيفة في نظر المجتمع. وعليه فإن قوة الجهاز الأمني من قوة الدولة، وضعفه من ضعفها، وبالتالي فإن من يحاول إضعاف هذا الجهاز هو إنما يعمل من أجل إضعاف الدولة، ومتى كان هذا مسعى الوطنيين، ومبتغى من يحب ويقدس الوطن؟.
 
إن العاملين في الجسم الأمني بمراكش، ليسوا أناسا استثنائيين، هم مواطنون أنجبتهم هذه الأرض المغربية ، ولا شك في أن أغلبهم منخرطون بشكل يومي، و بكل وطنية وتفان، في استتباب الأمن والطمأنينة والسكينة، ولكنهم يصيبون و يخطئون مثل باقي عباد الله من المغاربة.
 
لقد توصل، حسب علمي، جميع العاملين في الصحافة هنا بمراكش، بشكايات من جمعيات مهنية وحقوقية، تتهم بعض العاملين في الجسم الأمني بالشطط في استعمال السلطة، و بعدم القيام بواجبهم كما يفرض عليهم القانون وكما يملي عليهم ضميرهم المهني، ولأن الجهاز الأمني هو شأن عام، ولأن الجسم الأمني بمراكش يهم الرأي العام المراكشي، فإن الصحافة، من واجبها أن تخبر الرأي العام بما يجري، غير أنها لم تجد التجاوب المطلوب من الجسم الأمني بهذه المدينة.
 
إن من حق المراكشيين، ومن حق الصحافة، أن تعرف حقيقة هذه الشكايات ومآلها، وما إذا تم فتح تحقيقات داخلية في شأنها، ومعرفة نتائجها. ومن واجب المسؤولين الأمنيين في المدينة أن يخبروا الرأي المحلي بنتائج تلك الأبحاث والتحريات. كما من واجب المؤسولين أن يحيلوا تلك الشكايات على الجهات القضائية المختصة، وتتم معاقبة المتورطين من رجال الأمن، فهم ليسوا “قديسين” بل بشر يصيبون ويخطئون، أو معاقبة أصحاب الشكايات إن هم كانوا مجرد أدوات استعملتها “جهات” من اجل الإساءة لبعض رجال الأمن، وبالتالي الإساءة للأجهزة الأمنية كلها، بل الإساءة إلى كافة المراكشيين، باعتبار أن الشأن الأمني المحلي يهم ساكنة المدينة، ويهم الصحافة المحلية.
 
قبل بضعة أيام، اتصلت بمسؤول بولاية أمن مراكش، كعادتي، للاستفسار حول مآل الشكاية التي تقدم بها تجار شارع الأمير مولاي رشيد ضد مسؤولين أمنيين بالمدينة، ونفى نفيا قاطعا ما ورد فيها من اتهامات، مؤكدا أن التاجر المعني بسرقة محله التجاري توصل بهواتفه النقالة كاملة غير منقوصة، وأن بحثا داخليا يجري في شأن هذه الشكاية.
 
هذا الاتصال الهاتفي، كان مناسبة للحديث عن بعض “التجاذبات” داخل الجسم الأمني، والذي أعرفه وأعرف تفاصيله، وقد أفهمت محدثي أنني غير معني وغير مهتم بتفاصيله، ولكن وقع بين يدي شريط يشي بأن تحت الأكمة ما تحتها. ولأن المسؤول الأمني الذي كنت أتحدث إليه يعرفني عز المعرفة، ويعرف مواقفي وتوجهاتي، فقد قلت له بالحرف:” تعرف جيدا أنه لا يمكن لأي كان أن يستعملني مهما كان و تحت أي ظرف كان، ولكن مستعد لأن يتم استعمالي من قبل أي مغربي مهما كان موقعه، إن كان الأمر يتعلق بنشر خبر يهم الوطن، ضد أعداء الوطن، حتى ولو كان الخبر غير صحيح”، فرد علي المسؤول:” نعم أعرف ذلك.
 
لا تحملونا وزر أخطائكم وزلاتكم، وتبحثوا عن قميص يوسف فينا أو بيننا.. اخرجوا للناس وأخبروهم بحقيقة الأمور، فمن حق الناس عليكم أن تطمئنوهم، ومن واجبكم أن تعيدوا للناس سكينهم.
 
قد نخطئ مثلكم، فلسنا معصومين من الخطأ.. قد نزيغ عن جادة الصواب في زحمة البحث عن تسجيل سبق صحفي.. لكن، لا ترموننا بـ”العمالة” لأكوام قمامة الليل وقذارة المدينة، فنحن أشرف وأطهر من أطهر قميص فوق أجسادهم العفنة.. وإن فعلتم وتماديتم، فأنتم بذلك إنما تطعنوننا في وطنيتا.. ونحن مستدعون للدفاع عنها حتى آخر الرمق، ومستدعون لتحمل تبعاتها.
 

إقرأ أيضاً

التعليقات

فيديو

للنساء

ساحة