إدريس الأندلسي يكتب.. ” العدالة و التنمية” وإتقان اللعبة كالغير

حرر بتاريخ من طرف

إدريس الأندنوسي

دخل الحزب بمرجعيته الإسلامية إلى ملعب السياسة بعد أن قام مؤسسوه بما يلزم من مراجعات و حصل على القبول الرسمي. و قبل الوصول إلى هذه المرحلة كان التواجد في المجال الجمعوي التربوي و الدعوي و السياسي حقيقيا و يمارس بشيء من التقية من طرف بعض المؤسسين.

و لا زالت بعض معوقات النشأة و عناصر التعامل مع المحيط الوطني و النخبة السياسية  حاضرة في نظرة بعض مكونات الرأي العام له. لا يخفى على أحد أن إغتيال الشهيد عمر بن جلون يحمل بصمات الحركة الإسلامية في فترة سابقة عن الخروج إلى العمل السياسي في العلن

.  كما لا يمكن إغفال رفع شعار أسلمة المجتمع في بلد لا أحد ينكر التصاق أهله بدينهم دون غلو.  و هو ما كان له أثر  و لا يزال على قراءة النخبة و المجتمع لخطابه  و لفعله بعد أن اقتحم مجال التدبير مع ما يصاحب ذلك من إخفاقات. و لعل توسع قاعدة الحزب و خصوصا على مستوى نخبه الوطنية و المحلية قد صاحبتها مخاطر صعوبة ضبط و مراقبة للوافدين عليه في التعامل مع الصفقات و مساطرها و إمكانية الإستفادة من الأموال العمومية بطرق غير مشروعة و الانزلاق إلى جحيم ملذات المال  و الجنس.

ولأن الحرارة التي تذكيها متابعة التدبير و ثقل الانتظارات تذيب رصيد الثقة في السياسة عموما  و في الحزب خصوصا، فإن بداية المنحدر تصبح آتية لا محالة فيما تبدأ مرحلة تآكل الرأسمال الرمزي  و الإنتخابي . و معها تبدأ التصدعات في أسس البيت الحزبي و محاولات لإعادة الروح إليه عبر لقاءات للتصالح الداخلي  و كذلك مع الرأي العام. في هذا الإطار عاش حزب العدالة والتنمية السنين الأخيرة من تحمله المسؤولية ضمن أغلبية ولدت بعد عملية قيصرية.

 رحل عن الساحة من يعتبر الزعيم الطبيعي للحزب و لكنه ظل حاضرا بكل الأساليب المتاحة و آخرها فرض رأيه على الفريق البرلماني في مسألة الكيف و استعمالاته الطبية. عبد الإله بن كيران الذي لم “يستهلك ” كليا لحد الآن، استعمل الغياب بعنف و لعل موقف البرلمانيين فيه شيء من الخوف من مستقبل قريب قد يبعثر فيه بن كيران أوراق الحزب و يضع نفسه في موقع القاءد المنقد بعد الإنتخابات المقبلة. من سيصطف آنذاك وراء الأمين العام الحالي في مواجهة أحد أوفياء القاءد التاريخي الذي قد يختار لنفسه مرتبة مرشد عام  أو يغامر سياسيا حسب ما ستؤول إليه الأمور بعد الكورونا.

الحاضر السياسي لا يمتلك مفاتحه من لم يمتلكها بالأمس و الحضور الشكلي في الأغلبية مع مراعاة ما سيسمى غدا ” مسؤولية تاريخية” لن يقنع من كان متحمسا لخطاب كله وعود إجتماعية و لازال ينتظر. كيف تسير حكومة و حزبها الأول يختار الغياب رغم تسجيل ما يسمى بالمواقف.

قال لا لإصلاح منظومة التربية  و التعليم لأنها اختارت الانفتاح على اللغات الأجنبية  ولم يقل لا و يبادربقوة إلى إصلاح حقيقي للمالية العمومية ووضع القطاع الفلاحي و إقتصاد الريع و القطاع غير المهيكل و مدونة الأسرة ووضع العالم القروي.  ترك المبادرة لسياسة التدبير التقنوقراطي و اكتفى بالسعي إلى إنقاذ الحزب مع الحفاظ على المناصب و ما يتبعها من منافع دنيوية.  

ان تصوت ضد مشروع تقنين الاستعمالات الطبية  والتجميلبة للكيف دون أن تعطى بديلا مقنعا أقوى من التعاطف مع سكان منطقة مكلومة فذلك موقف سياساوي. أن يتم الاختباء وراء إنتظار دراسات و آراء لمجالس الحكامة الدستورية كسبب لارجاء البث في المشروع، فذلك مجرد تكتيك.  

كان الأولى أن يقدم هذا الحزب منظوره بالاعتماد على تجربته الحكومية و المحلية التى امتدت على عقد من الزمان.  كان من الشجاعة السياسية تبرير الرفض بشكل موضوعي و ذلك عبر خطاب يقول بصريح العبارة أنه ليس من الأولويات  و أنه قد يؤدي بالمنطقة إلى مزيد من الهشاشة  و أنه قد يقوي شوكة شبكات المتاجرة في المخدرات  و غيرها من الأسباب التي وصلت إليها قواعده في الأقاليم و الجهات. كان من عليه أن يتخطى كل الخطوط و يقول رأيه بجرأة و لو تطلب الأمر توجيه اتهامات للجهات التي يعتبرها مستفيدة حقيقية من المشروع  و أن يفضح ما قد يعتبره دعما لشبكات تجارة المخدرات.

كان المواطن ينتظر مواقف لا يتراجع عنها رئيس الحكومة في مجال إصلاح القانون الجنائي و ما يتفرع عنه من مقتضيات تهم الاغتناء غير المشروع و الرشوة  و الريع و قضايا تهم المنافسة و الحكامة و الهشاشة الإجتماعية. أتذكر ندوة إذاعية مع عبد الإله بن كيران عشية الإنتخابات المحلية ذكرته فيها بوعود حزبه بتحقيق نسبة نمو تصل إلى 7% خلال فترة رءاسته الأولى للحكومة.  و تمضي السنوات لتقول لنا لجنة النموذج التنموي الجديد أن أقصى مبتغاها للسنوات القادمة نسبة نمو في حدود 6% و ليبين لنا الوضع الاجتماعي و الإقتصادي أن عشر سنوات من السياسات العمومية لم تغير من حجم النقص في التنمية الاجتماعية و زيادة هشاشة المرأة  و الشباب.  

قد تمارس السياسة بذكاء تكتيكي يضمن النجاح لمرحلة زمنية محددة ، و لكن من الصعب أن تفوز بفكر استراتيجي عميق المضامين لا يهتم كثيرا بالمكاسب الكمية و ينسى أن بناء أسس الاقتصادات الصاعدة و المجتمعات القوية،كما جاء في تقرير لجنة النموذج التنموي الجديد، يحتاج إلى وضوح الرؤيا و تغييب الاصطفاف الإيديولوجي العقيم الذي لا يهدف إلى دعم الحرية  و المبادرة  و الكفاءة .

لم يشهد المغرب في تاريخه طبقة سياسية بهذا المستوى من تبعثر الجهود و غياب التقاءية السياسات  و هدر الزمن الإقتصادي و السياسي. إذا كان حزب العدالة والتنمية قد قاد الحكومة لفترة طويلة فهو مسؤول عن الوضع الراهن شأنه شأن من شاركه من الأحزاب و التقنوقراط في تدبير المرحلة السابقة الراهنة .

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فيديو

للنساء

ساحة