أمام أزمة طاقية غير مسبوقة.. بلجيكا تقرر الشروع في إطالة عمر مفاعلاتها النووية

حرر بتاريخ من طرف

على خلفية الأزمة الطاقية غير المسبوقة التي ترخي بظلالها على غالبية الدول الأوروبية، يبدو أن بلجيكا قررت إعادة النظر في بعض القرارات الإستراتيجية التي اتخذتها قبل اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية، والتي تتمثل خصوصا في الخروج التدريجي من نطاق إنتاج الطاقة النووية في أفق العام 2025، وذلك عبر الإيقاف التدريجي لمفاعلاتها السبع، التي تؤمن نصف حجم الكهرباء المستهلكة في البلاد.

ولعل أبرز إجراء استدراكي تتخذه الحكومة الفيدرالية في هذا الإطار، هو توقيع اتفاق مع الشركة الفرنسية العاملة في المجال الطاقي “إنجي”، بشأن المبادئ التي ستحكم التمديد لمفاعلين نوويين هما “تيرانغ 3″ و”دويل 4” لمدة عشر سنوات، وذلك ابتداء من العام 2026. الاتفاق الذي تقول حكومة ألكسندر دو كرو إنه يروم ضمان الأمن الطاقي للبلاد في سياق عالمي مبهم.

الاتفاق بشأن التمديد لـ “تيرانغ 3” و”دويل 4″، اللذين يوجدان على التوالي بكل من أنفيرس ولييج، يأتي بعد مفاوضات مطولة بين الجانبين دامت لبضعة أشهر، والتي كان أساسها هو قرار الحكومة البلجيكية القاضي بإطالة عمر مفاعلاتها النووية إلى ما بعد العام 2025، على خلفية حالة عدم اليقين المرتبطة بالحرب في أوكرانيا.

ويحسم هذا الاتفاق في مسألة جوهرية تتعلق بالتمديد لهذين المفاعلين، المملوكين بالتساوي من قبل الدولة البلجيكية والمجموعة الفرنسية، والتي تتمثل في تحديد سقف للتكاليف المستقبلية المتعلقة بمعالجة النفايات الناتجة عن النشاط النووي، والتي تبلغ فاتورتها مليارات اليوروهات.

وفي هذا الإطار، فإن مجموعة “إنجي”، من خلال فرعها البلجيكي “إلكترابيل”، كانت قد ألحت بقوة على تحديد سقف للتكاليف المرتبطة بمعالجة النفايات المشعة والوقود المستهلك، ما يمنح المزيد من الوضوح لهذا الفاعل الطاقي. وإلى جانب ذلك، فإن الاتفاق يحدد مجموعة من الضمانات التي تؤمن الأداء الجيد لالتزامات الفاعل النووي.

وقبل ذلك، كانت الحكومة البلجيكية قد أعلنت في 18 مارس الماضي عن قرارها تأجيل خروجها الكامل من نطاق إنتاج الطاقة النووية لمدة عشر سنوات، والذي كان مخططا له مبدئيا في العام 2025. حيث كان من المقرر أن تتوقف المفاعلات السبعة عن الإنتاج بطريقة تدريجية بين نهاية العامين 2022 و2025. الأمر الذي تحقق بالفعل بإغلاق واحد منها في نهاية شتنبر.

ففي 23 شتنبر 2022، قامت شركة “إلكترابيل” بفصل مفاعل “دويل 3” نهائيا عن شبكة الجهد العالي، وفقا لمقتضيات قانون 31 يناير 2003 المتعلق بالإلغاء التدريجي لمساهمة الطاقة النووية في إنتاج الكهرباء الصناعية ببلجيكا. هكذا، كان “دويل 3” هو أول محطة طاقة نووية بلجيكية تتوقف عن إنتاج الكهرباء بصفة نهائية في البلاد.

وبناء على هذا التوجه الجديد، عبرت الحكومة الفيدرالية عن أملها في “إبرام اتفاقات كاملة خلال الأشهر المقبلة”، والتي تشمل القيام بدراسات بيئية وتقنية وأخرى تتعلق بأمن عملية التمديد، قبل نيل الضوء الأخضر الذي تصدره الوكالة الفيدرالية للمراقبة النووية.

وكما هو حال جميع القضايا الخلافية ببلجيكا، لم يحظى قرار الحكومة القاضي بالتمديد للمفاعلين النوويين بإجماع مختلف أطياف المشهد السياسي، حيث لم ينتظر حزب التحالف الفلاماني الجديد اليميني المعارض كثيرا للتعبير عن انتقاده اللاذع للاتفاقية الموقعة من مجموعة “إنجي” الفرنسية، والتي يرى أن كلفتها ستكون أكثر من عائداتها وأن هذا القرار سيزيد من الأعباء المالية التي يتكبدها المواطنون.

من جانبهما، عبر كل من رئيس الحزب المسيحي الديمقراطي الفلاماني، سامي مهدي، ورئيس حزب الليبراليين والديمقراطيين الفلامانيين، إغبريت لاشارت، عن رضاهما عن هذا الاتفاق الذي يعد من وجهة نظرهما ضروريا للحفاظ على الإمدادات الطاقية للبلاد، وجعلها أقل اعتمادا على البلدان الأجنبية.

بدوره، أكد رئيس الحركة الإصلاحية، جورج لوي بوشي، أن إطالة عمر المفاعلات النووية لن يؤدي إلى فرض ضرائب جديدة على المستهلكين، حيث قال في هذا الصدد: “لن تكون هناك ضرائب إضافية على التمديد لنشاط المنشآت النووية بالنسبة للمواطنين. الكهرباء التي يتم إنتاجها بواسطة المفاعلات، منخفضة التكلفة وتتيح هامشا أكبر”.

والأكيد أن بلجيكا، شأنها شأن العديد من البلدان الأوروبية، تسعى جاهدة إلى تعويض الخصاص الطاقي الذي تسببت فيه الحرب الروسية-الأوكرانية، والتي جعلت هذه الأخيرة تعيد ترتيب أوراقها، حتى من خلال إعادة إحياء المنظومة النووية التي كان التخلص منها شرطا أساسيا للانخراط في الجهود العالمية لمكافحة التغيرات المناخية.

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فيديو

للنساء

ساحة